أي ما كذب بصره بما حكاه له فإن الأمور القدسية تدرك أولا بالقلب ثم تنتقل منه إلى البصر . أو ما قال فؤاده لما رآه لم أعرفك ، ولو قال ذلك كان كاذبا لأنه عرفه بقلبه كما رآه بصره أو ما رآه بقلبه . والمعنى : لم يكن تخيلا كاذبا . وبدل عليه أنه عليه الصلاة والسّلام سئل هل رأيت ربك ؟ قال : « رأيته بفؤادي » . وقرىء « ما كذب » أي صدقه ولم يشك فيه .
أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى
( 12 ) أفتجادلونه عليه من المراء وهو المجادلة واشتقاقه من مري الناقة كان كلا من المتجادلين يمري ما عند صاحبه .
شرح
عرفه بقلبه واعتقده حقا كما رآه ببصره وجعله مرئيا ، فيكون قوله : « لا أعرفك » كذبا فإذا لم يقل فؤاده ذلك القول صح أن يقال له : إنه ما كذب فيما رآه ببصره من صورة المرئي . قوله :
( أي ما كذب بصره ) بنصب « البصر » على نزع الخافض أيضا أي وما كذب الفؤاد في حق بصره بأن يقول له : حكايتك لا تطابق المحكي بأن قال إنه لم يحك صورة المرئي على الوجه المطابق له . قوله : ( فإن الأمور القدسية ) جواب عما يرد على قوله أي ما كذب بصره بما حكاه له من أن إدراك القلب لما يحس بالبصر ومعرفته المتعلقة بالمحسوسات بالبصر متفرع على استعمال حاسة البصر وارتسام الصورة في الحس المشترك ، فكيف يمكن للفؤاد أن يكذب في حق البصر بأن قال إنه لم يحك صورة المحسوس على الوجه المطابق له ، وهو يستلزم أن يدرك المحسوس من غير استعانته بالبصر ؟ وتقرير الجواب أن الأمور القدسية بمنزلة المعقولات الصرفة في أن الفؤاد يدركها بنفسه ولا يستعين في إدراكها بالقوى الحاسة من حيث إنه تعالى لم يخلق في الحواس قوة الإحساس بها . ثم إنه تعالى لما خلق في حاسته عليه الصلاة والسّلام قوة الإحساس بالصورة التي جبل عليها جبريل وقد عرفها قبل ذلك بفؤاده فقد عرفها من طريق البصر أيضا ، فيمكن له أن يصدق ويكذب في حق البصر أي يصدق ويكذب فيما حكاه له .
قوله : ( أو ما رآه بقلبه ) عطف على قوله : « ما رآه ببصره » وهذا على قول من يقول إنه عليه الصلاة والسّلام رأى ربه بفؤاده لا بعين رأسه . فالمعنى حينئذ : ما كذب الفؤاد فيما رآه الفؤاد بأن قال في حقه إنه هاجس شيطاني وتخييل كاذب إذ ليس في وسع الإنسان معرفة الرب تعالى . قوله : ( واشتقاقه من مري الناقة ) الجوهري : مريت الناقة مريا إذا مسحت ضرعها لتدر ، ومريت الفرس إذا استخرجت ما عنده من الجري بسوط أو غيره . والمراد به الجدال بالباطل وكان حقه أن يتعدى ب « في » لأنه يقال : جادلته في كذا لكنه ضمن معنى الغلبة فعدى تعديتها . أنكر اللّه تعالى عليهم في جدالهم معه عليه السّلام حين أسرى به فقالوا : صف لنا بيت المقدس وأخبرنا عن عيرنا في الطريق ، وغير ذلك مما جادلوه به . فإن قيل : الظاهر أن يقال : أفتمارونه على ما رأى بصيغة الماضي لأنهم إنما جادلوه بعد ما أسري