أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً
أي أنرجع إذا متنا وصرنا ترابا ، ويدل على المحذوف قوله :
ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ
( 3 ) أي بعيد عن الوهم العادة أو الإمكان . وقيل : الرجع بمعنى المرجوع
قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ
ما نأكل من أجسادهم بعد موتهم ، وهو رد لاستبعادهم بإزاحة ما هو الأصل فيه . وقيل : إنه جواب القسم واللام محذوف لطول الكلام .
وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ
( 4 ) حافظ لتفاصيل الأشياء كلها ، أو محفوظ من التغيير . والمراد إما تمثيل علمه بتفاصيل الأشياء بعلم من عنده كتاب محفوظ يطالعه أو تأكيد لعلمه بها على ثبوتها في اللوح المحفوظ عنده .
بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ
يعني النبوة الثابتة بالمعجزات أو النبي أو القرآن .
لَمَّا جاءَهُمْ
وقرىء « لما » بالكسر
فَهُمْ فِي أَمْرٍ
شرح
قوله : ( أي أترجع ) يريد أن ناصب الظرف محذوف لدلالة قوله ذلك رجع بعيد عليه أي أترجع أحياء أإذا متنا وصرنا ترابا ؟ والاستفهام للإنكار والاستبعاد . قوله : ( وقيل الرجع بمعنى المرجوع ) وهو الجواب ويكون من كلام اللّه تعالى استبعادا لإنكارهم ما أنذروا به من البعث . الجوهري : تقول : أرسلت فما جاءني رجع رسالتي أي مرجوعها ، ويقال : ما كان من مرجوع فلان عليك أي من مردوده وجوابه ، ويقال : هل جاء رجعة كتابك أي جوابه .
فعلى هذا يحسن الوقف على قوله :وَكُنَّا تُراباًويكون قوله :ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌمن كلام اللّه لا من تتمة كلام الكفرة فلا يصلح دليلا ، ويكون ذلك إشارة إلى قولهم :أَ إِذا مِتْناأي قولهم هذا في جواب من أنذرهم بالبعث والجزاء جواب بعيد عن الصواب . فإن قيل : إذا كان الرجع بمعنى المرجوع وهو الجواب يكون من كلام اللّه تعالى لا من كلام القوم فما الدال على عامل الظرف الواقع في كلامهم ؟ وما العامل في الظرف حينئذ ؟ أجيب بأن ناصب الظرف حينئذ ما دل عليه المنذر من المنذر به وهو البعث كأنه قيل : أنبعث إذا متنا ؟ بخلاف ما إذا كان مصدرا بمعنى البعث فإنه حينئذ يصلح أن يكون دالا على عامل الظرف إذ كلاهما من كلام القوم . ثم إنه تعالى بعلمه ليستدل به على قدرته على ما يشاء من خلقه إبداء وإعادة فقال :قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْفإن استبعاد البعث إنما نشأ من استبعاد إحاطة العلم بتفاصيل أجزاء كل واحد من الموتى وتمييز أجزاء كل واحد منهم عن أجزاء الآخرين ، فأزال هذا المنشأ ببيان أنه تعالى عالم بتفاصيل ذلك قادر على الجمع والتأليف فليس الرجوع منه ببعيد . قوله : ( واللام محذوف لطول الكلام ) كما في قوله تعالى :وَالشَّمْسِ وَضُحاها[ الشمس : 1 ] إلى قوله :قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها[ الشمس : 9 ] فإنه قد تقرر في النحو أن جواب القسم إذا كان جملة فعلية مثبتة فإن كان فعلها ماضيا لزمها اللام مع قد نوح واللّه لقد قام أو بدونها نحو واللّه لقام . قوله : ( يعني النبوة الثابتة الخ ) وهو إضراب بعد إضراب فالأول لإنكار تعجبهم من أمر البعثة والبعث والثاني لإنكار تكذيبهم بالحق في أول وهلة من غير