وقيل : الآيتان في بني مخزوم حلف أبو جهل أن يرضخ رأس النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فأتاه وهو يصلي ومعه حجر ليدمغه ، فلما رفع يده انثنت إلى عنقه ولزق الحجر بيده حتى فكوه عنها بجهد فرجع إلى قومه فأخبرهم ، فقال مخزومي آخر : أنا أقتله بهذا الحجر فذهب فأعماه اللّه .
شرح
حرم من النظر بالكلية لأن الدلائل والآيات مع كثرتها منحصرة فيهما كما قال تعالى :سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ[ فصلت : 53 ] فقوله تعالى :إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْمع قوله :وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْالآية إشارة إلى عدم هدايتهم لآيات اللّه تعالى في الأنفس والآفاق . انتهى كلامه . والظاهر أن المراد بقوله :مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْوَمِنْ خَلْفِهِمْليس جهتي القدام والخلف فقط بل ما يعم الجهات الست . وجهة القدام لما كانت أشرف الجهات وأظهرها وجهة الخلف كانت ضدها خصهما بالذكر ، ويدل عليه أن المصنف جعل وجه الشبه كونهم محبوسين في مطمورة الجهل فإن حفرة الجهل وظلمته تحيط بالجاهل من جميع جوانبه لا من أمامه وخلفه فقط . قوله : ( أن يرضخ ) الرضخ بالضاد المعجمة وبالحاء المهملة والمعجمة لغتان بمعنى وهو كسر الشيء بالحجر يقال : رضخت رأس الحية بالحجارة ، فعلى هذا القول تكون الآية الأولى في مخزومي بعينه وهو أبو جهل عليه اللعنة ، والآية الثانية في آخر بعينه ويكون ضمير الجمع فيهما على قولهم بنو فلان فعلوا كذا والفاعل واحد منهم . وقال القرطبي : إن المخزومي الثاني هو الوليد بن المغيرة . وكان هناك مخزومي ثالث قال : واللّه لأشدخن أنا رأسه بهذا الحجر ، وانطلق فرجع القهقرى ينكص على عقبيه حتى خرّ على قفاه مغشيا عليه فقيل له : ما شأنك ؟ قال : رأيت أمرا عظيما ، رأيت الرجل فلما دنوت منه فإذا فحل خطر بذنبه ما رأيت قط فحلا أعظم منه حال بيني وبينه ، فواللات والعزى لو دنوت منه لأكلني . فأنزل اللّه تعالى :إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًاالآيتين .
ولما أخبر اللّه تعالى عنهم بأنهم لا يؤمنون بإنذار النبي إياهم وعلّله بأنهم ممن علم منهم اختيار الكفر والإصرار عليه بقولهم ذلك ، ولم يوفقهم للإيمان والطاعة وجعلهم بمنزلة المغلول المقمح وبمنزلة من أحاط به السد من جوابه ، بيّن أن الإنذار لا ينفعهم مع ما فعل اللّه بهم من الغل والسد والإغشاء والإعماء فقال :وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْو « سواء » خبر لما بعده أي إنذارك وعدمه سيان عليهم ، وهو اسم بمعنى الاستواء نعت به كما نعت بالمصادر فإن الخبر في المعنى وصف قائم بالمبتدأ وعدل عن المصدر إلى الفعل فقيل :
أنذرتهم ليقرر معنى الاستواء ، فينبغي أن تكون الموانع من جانب المشبه به أيضا متحققة في جميع جوانبه . ويظهر بذلك ترتب قوله :فَأَغْشَيْناهُمْأي جعلنا على أبصارهم غشاوةفَلا يُبْصِرُونَعلى جعل السد والمعنى : جعلناهم محاطين بالسد من جميع جوانبهم فأغشيناهم أي جعلنا على أبصارهم غشاوة فلا يبصرون شيئا أصلا . والغشاء كالغطاء وزنا ومعنى وهو ما