إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا
تقرير لتصميمهم على الكفر والطبع على قلوبهم بحيث لا تغني عنهم الآيات والنذر بتمثيلهم بالذين غلت أعناقهم .
فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ
فالأغلال واصلة إلى أذقانهم فلا تخليهم يطأطئون رؤوسهم .
فَهُمْ مُقْمَحُونَ
( 8 ) رافعون رؤوسهم غاضون أبصارهم في أنهم لا يلتفتون لفت الحق ولا يعطفون أعناقهم نحوه ولا يطأطئون رؤوسهم له .
وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ
( 9 ) وبمن أحاط بهم سدان فغطى أبصارهم بحيث لا يبصرون قدامهم ووراءهم في أنهم محبوسون في مطمورة الجهالة ممنوعون عن النظر في الآيات والدلائل . وقرأ حمزة والكسائي وحفص « سدا » بالفتح وهو لغة فيه . وقيل : ما كان منه بفعل الناس فبالفتح وما كان بخلق اللّه فبالضم . وقرىء « فأغشيناهم » من الغشي .
شرح
قوله تعالى :فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَأي بإنذارك إياهم داخلة على الحكم المسبب عما قبله . ثم بيّن سبب تركهم الإيمان قال :إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًاوالغل ما يشد به اليد إلى العنق للتعذيب سواء كان من الحديد أو غيره . قوله : ( فالأغلال واصلة إلى أذقانهم ) إشارة إلى أن ضمير « هي » راجع إلى الأغلال . ووجه وصول الغل إلى الذقن إما كونه غليظا عريضا يملأ ما بين الصدر والذقن ، فعلى هذا تنوين « أغلالا » للتعظيم والفاء في قوله :فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِوفي قوله :فَهُمْ مُقْمَحُونَفاء النتيجة فلا جرم يصل إلى الذقن ويرفع الرأس إلى فوق ، وإما كون طوق الغل الذي يجمع اليدين إلى العنق بحيث يكون في ملتقى طرفيه تحت الذقن حلقة يدخل فيها رأس العمود خارجا من الحلقة إلى الذقن فلا يخليه يطأطىء رأسه ، فعلى هذا تكون الفاء في قوله :فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِللتعقيب وفي قوله :فَهُمْ مُقْمَحُونَللنتيجة . والإقماح رفع الرأس إلى فوق مع غض البصر من قمح البعير فهو قامح إذا رفع رأسه بعد الشرب لارتوائه أو لبرودة الماء أو لكراهة طعمه . قال الزجاج : يقال للكانونين شهرا إقماح لأن الإبل إذا وردت الماء فيهما رفعت رأسها لشدة البرد . جعل الآية من قبيل الاستعارة التمثيلية إذ ليس هناك غل حقيقي ، وإقماح يتفرع عليه . شبّه الكفار المصممين على الكفر في عدم ارعوائهم عنه وعدم التفاتهم إلى الحق وعدم انعطاف أعناقهم نحوه بالمغلولين المقمحين في عدم التفاتهم إلى مسالكهم ، وعدم انعطاف أعناقهم نحوها وبمن أحاط به سدان ، والمطمورة حفرة يخبأ فيها الطعام . عن الإمام أنه قال : المانع من النظر في الآيات والدلائل قسمان : قسم يمنع من النظر في الآيات التي في أنفسهم فشبّه ذلك بالغل الذي يجعل صاحبه مقمحا لا يرى نفسه ولا يقع بصره على بدنه ، وقسم يمنع من النظر في آيات الآفاق فشبّه ذلك بالسد المحيط فإن المحاط بالسد لا يقع نظره على الآفاق ، فلا تبين له الآيات التي في الآفاق كما أن المقمح لا تبين له الآيات التي في الأنفس ، فمن ابتلى بهما