الصالح بالسيىء ، والسابق الذي ترجحت حسناته بحيث صارت سيئاته مكفرة ، وهو معنى قوله عليه الصلاة والسّلام : « أما الذين سبقوا فأولئك يدخلون الجنة بغير حساب ، وأما الذين اقتصدوا فأولئك يحاسبون حسابا يسيرا ، وأما الذين ظلموا أنفسهم فأولئك يحبسون في طول المحشر لم يتلقاهم اللّه برحمته » . وقيل : الظالم الكافر على أن الضمير للعباد وتقديمه لكثرة الظالمين ، ولأن الظلم بمعنى الجهل والركون إلى الهوى مقتضى الجبلة ، والاقتصاد والسبق عارضان .
ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ
( 32 ) إشارة إلى التوريث أو الاصطفاء أو السبق .
جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها
مبتدأ وخبر والضمير للثلاثة ،
شرح
الأمة متراخ عن إرسال النذير في كل أمة على الطريق المذكور ، فإن الإيراث المذكور سابق وماض بالنسبة إلى نزول هذه الآية فصح إيراد « ثم » مقرونة بصيغة الماضي . فعلى هذا يكون قوله تعالى :وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَاعتراضا بين المعطوف والمعطوف عليه لبيان أن توريث جنس الكتاب لهذه الأمة إنما هو حال كونه حقا مصدقا لما بين يديه . ومعنى « أورثنا » أعطينا لأن الميراث إعطاء ، قاله مجاهد ، يعني أورثنا استعارة تبعية . شبّه إعطاء الكتاب إياهم من غير كد وتعب في وصوله إليهم بتوريث الوارث فقوله :الَّذِينَ اصْطَفَيْنامفعول أول لأورثنا و « الكتاب » مفعوله الثاني قدم لشرفه إذ لا لبس . وقيل : « أورثنا » بمعنى أخرنا ومنه الميراث لتأخره عن الميت والمعنى : أخرنا القرآن عن الأمم السالفة وأعطيناكموه وأهديناكم له ، وكلمة« مِنْ »في قوله :مِنْ عِبادِنايجوز أن تكون للبيان على معنى أن المصطفين هم عبادنا وأن تكون للتبعيض أي أن المصطفين بعض عبادنا لا كلهم . ويؤيد الأول ما روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال : يريد بالعباد أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فالمعنى : ثم أعطينا القرآن بعد الوحي إليك عبادنا المصطفين وهم أمتك المسلمون ، فإن اللّه تعالى اصطفاهم على سائر الأمم وجعلهم أمة وسطا أي خيارا أهلا للشهادة على سائر الأمم يكون هذا القرآن بينهم حكما وإماما لهم إلى يوم القيامة إكراما لهم وإفضالا ، ثم قسمهم إلى ثلاث طبقات فقال :فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ[ فاطر : 32 ] الآية مع كونهم مشرفين بشرف الاصطفاء والإضافة في قوله تعالى :مِنْ عِبادِنالأن منشأ ذلك الشرف كونهم أمة الإجابة لدعوة أشرف الرسل صلّى اللّه عليه وسلّم والمعصية لا تخرجهم من ذلك . وعلى قوله : من يقول المراد بالظالم هو الكافر بقرينة أنه تعالى أطلق لفظ الظالم في كثير من المواضع على الكافر وسمى الشرك ظلما عظيما ، لا يكون القسيم أمة الإجابة ولا يرجع ضمير « منهم » إلى الموصول ولا تكون كلمة « من » للبيان بل للتبعيض ولا تكون الإضافة في عبادنا لتشريف المضاف بل لتعظيم المضاف إليه ويكون المراد بالعباد مطلق الخلائق وقوله تعالى :سابِقٌ بِالْخَيْراتِأي سابق إلى الجنة بالأعمال الصالحة بأمر اللّه تعالى وإرادته .