وقد عرفت أن التوحيد مما يصح إثباته بالسمع .
فَإِنْ تَوَلَّوْا
عن التوحيد
فَقُلْ آذَنْتُكُمْ
أعلمتكم ما أمرت به أو حربي لكم
عَلى سَواءٍ
مستوين في الإعلام به أو مستوين أنا وأنتم في العلم بما أعلمتكم به ، أو في المعاداة أو إيذانا على سواء . وقيل :
أعلمتكم أني على سواء أي عدل واستقامة رأي بالبرهان النير .
وَإِنْ أَدْرِي
وما أدري
أَ قَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ
( 109 ) من غلبة المسلمين أو من الحشر لكنه
شرح
المشركون . قوله : ( وقد عرفت أن التوحيد الخ ) إشارة إلى ما ذكره في تفسير قوله تعالى في هذه الصورة :هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي[ الأنبياء : 24 ] إذ التوحيد لما لم يتوقف على صحته بعثة الرسل وإنزال الكتب صح الاستدلال فيه بالنقل . ووجه الفاء في قوله تعالى :فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَأن مثل هذا الكلام إنما يذكر إذا تقدم ما يوجب المسارعة والإقدام على شيء من الأمور فيؤتى به للتحريض عليه والتوبيخ على تركه . وههنا لما بولغ في أمر التوحيد بما سبق من الحصرين عقبه به للمبالغة في إيجاب المسارعة إلى التوحيد فلذلك أخرج الأمر على صورة الاستفهام ، وكون التوحيد مما يصح إثباته بالسمع وإن اشتهر بين المتكلمين إلا أنه لا يخلو عن إشكال ، وهو أن حجية السمع موقوفة على ثبوت الرسالة وثبوت الرسالة موقوف على كون المرسل واجب الوجود وهو موقوف على ثبوت كونه واحدا ، إذ التعدد يستلزم الإمكان كما بين في موضعه فظهر أن حجية السمع موقوفة على الوحدانية ، ولو توقفت الوحدانية أيضا على السمع لزم الدور فالأحكام التي يستدل عليها بالنص هي التي لا يتوقف النص على ثبوتها ، فالتوحيد ليس من تلك الأحكام التي يستدل عليها بالنص فلا يستدل بالنص على ثبوته . قوله : ( مستوين في الإعلام به ) على أن يكون قوله :عَلى سَواءٍفي محل النصب على أنه حال من مفعول « آذنتكم » . قوله : ( أو مستوين أنا وأنتم ) على أنه حال من الفاعل والمفعول معا وعلى التقديرين يكون « آذنتكم » منقولا من أذن بمعنى علم وعلى قوله : « أو حربي لكم » وإن كان منقولا منه أيضا ، وأن المراد بالإيذان إيذان الحق إلا أن إيذان الحرب مستفاد من استعماله في مقام الإنذار والتهديد كأنه قيل : قد بذلت وسعي إلى الآن في إعلام الحق وإرشادكم إليه فإذا لم تقبلوه ولم تلتفتوا إليه فتهيؤوا لجزاء عنادكم .
قوله : ( أو إيذانا على سواء ) على أنه صفة مصدر محذوف . قوله : ( وقيل أعلمتكم أني على سواء ) على أنه خبر « أن » المحذوفة مع اسمها والجملة استئنافية . قوله : ( أقريب أم بعيد ما توعدون ) في محل النصب « بأدري » لأنه علق « أدري » بأداة الاستفهام . وأصل الكلام :
أقريب ما توعدون أم بعيد ، إلا أنه أخر المستفهم عنه لروي الآي . وقوله :ما تُوعَدُونَيجوز أن يكون مبتدأ وما قبله مع ما عطف عليه خبره ، ويجوز أن يكون فاعل قريب لاعتماده