فإنه إذا هلك لم يبق له إبداء ولا إعادة . قال :
أقفر من أهل له عبيد * فاليوم لا يبدي ولا يعيد
وقيل : الباطل إبليس أو الصنم ، والمعنى : لا ينشئ خلقا ولا يعيده أو لا يبدىء خيرا لأهله ولا يعيده . وقيل : « ما » استفهامية منتصبة بما بعدها .
قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ
عن الحق .
فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي
أي وبال ضلالي عليها فإنه بسببها إذ هي الجاهلة بالذات ، والأمّارة بالسوء وبهذا الاعتبار قابل الشرطية بقوله :
وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي
فإن الاهتداء بهدايته وتوفيقه
إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ
( 50 ) يدرك قول كل ضال أنشدنا قولك : فقال :
أقفر من أهله ملحوب * فالقطبيات فالذنوب
( أقفر من أهل له عبيد * فاليوم لا يبدي ولا يعيد )
قوله : أقفر أي صار إلى القفر وهو مفازة لا نبات بها ولا ماء ، وملحوب موضع وكذلك القطبيات والذنوب . والجريض الغصة من الجرض بالتحريك وهو الريق يغص به يقال : جرض بريقه يجرض على مثال كسر يكسر وهو أن يبتلع بريقه على هم وحزن بالجهد . والقريض الشعر . فكلمة
« ما »
في قوله تعالى :
وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ
نافية ولا مفعول « ليبدىء » ولا ليعيد ، إذ المراد لا يوقع الباطل هذين الفعلين . وقيل : مفعوله محذوف أي ما يبدىء الشيطان لأهله خيرا ولا يعيده . كان كفار مكة يقولون لرسول اللّه عليه الصلاة والسّلام : إنك ضللت حتى تركت دين آبائك فنزل قوله تعالى :
قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي
قرأ العامة بفتح اللام في الماضي وكسرها في المضارع ، وقرىء بكسر اللام في الماضي وفتحها في الغابر ، وقرىء « أضل » بكسر الهمزة وفتح الضاد على لغة من يقول اعلم . قوله : ( فإنه ) أي ضلال الشخص بسبب نفسه الجاهلة الأمارة بالسوء وهو علة لكون وبال الضلال راجعا إلى نفسه . قوله : ( وبهذا الاعتبار ) أي باعتبار أن النفس كل ما هو وبال عليها وضار لها فهو بها وبسببها وقع التقابل بين قوله :
فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي
وبين قوله : ( فبما يوحي إليّ ربي ) وإلا فلا تقابل بينهما ظاهرا لأنه إنما يظهر التقابل بينهما إن أورد فيهما كلمة « على » أو كلمة الباء بأن يقال : إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فإنما أهتدي لنفسي ، أو بأن يقال : إن ضللت فإنما أضل بنفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي ، فيكون مدلول الآية على الأول بيان مآل الضلالة والهداية وعلى الثاني بيان سببهما . فلما جيء ب « على » في الأول دلت على أن الضلال وبال على النفس ولما جيء بالباء في الثاني دلت على أن سبب الاهتداء هو هداية اللّه تعالى وتوفيقه وما يوحى إلى القلب