فأنهى حياته من قوله :
وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ
[ الحجر : 66 ]
قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ
لأنه لم يؤمر بقتل الكفار أو لأنه كان مأمونا فيهم ، فلم يكن له اغتيالهم ولا يقدح ذلك في عصمته لكونه خطا . وإنما عده من عمل الشيطان وسماه ظلما واستغفر منه على عادتهم في استعظام محقرات فرطت منهم .
إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ
( 15 ) ظاهر العداوة
قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي
بقتله
فَاغْفِرْ لِي
ذنبي
فَغَفَرَ لَهُ
باستغفاره
إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ
لذنوب عباده
الرَّحِيمُ
( 16 ) بهم .
قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ
قسم محذوف الجواب أي اقسم بإنعامك عليّ بالمغفرة وغيرها لأتوبنّ .
فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ
( 17 ) أو استعطاف أي بحق
شرح
الشَّيْطانِمن حيث إنه هيج غضبي وحملني على الوكز نسب الوكز والقتل إلى الشيطان من حيث كونه سببا له . قوله : ( وسماه ظلما ) جواب عما يقال : قوله تعالى :وَهذا مِنْ عَدُوِّهِيدل على أن القبطي كان كافرا حربيا وكان دمه مباحا فلم جعل قتله من عمل الشيطان وظلم به نفسه واستغفر منه ؟ ومحصول الجواب أنه قتل قبل أن يؤذن له في قتل الكافر فكان زلة يستغفر منها المتقون على عادتهم وإن كانت محقرة صدرت خطأ .
قوله : ( أي أقسم بإنعامك علي بالمغفرة ) قدر متعلق الباء وجعل « ما » مصدرية وجعل إنعامه تعالى عليه بالمغفرة مقسما به . ولا أدري كيف علم أن اللّه تعالى غفر له وقد كان هذا قبل أن أوحى اللّه إليه . وعيّن أن الجواب المقدر هو قوله : « لأتوبن » أي لأرجعن عما فرط مني من الزلة . وجعل قوله :فَلَنْ أَكُونَمعطوفا على الجواب المقدر فتكون الجملة الخبرية التي أكدت بالجملة القسمية هي المجموع من المعطوف عليه المقدر وما عطف عليه . قوله : ( أو استعطاف ) عطف على قوله : « قسم » جعل الاستعطاف قسيما للقسم ، مع أن النحاة صرحوا بأن القسم على قسمين : قسم للاستعطاف وقسم لغير الاستعطاف وقالوا :
القسم جملة إنشائية يؤكد بها جملة أخرى فإن كانت الأخرى خبرية فالقسم لغير الاستعطاف ، وإن كانت طلبية فهو للاستعطاف . ولم يجعله المصنف والزمخشري قسما لأن القائل إذا قال : باللّه لأفعلن كذا انعقدت اليمين على القائل ، وأما لو قال : باللّه أفعل كذا لا ينعقد اليمين لا على المتكلم ولا على المخاطب . فلذلك لم يجعلاه من القسم . ومن جعله قسما من القسم اعتبر الظاهر لأن صورته صورة القسم من حيث إنه يؤكد الطلب على المستعطف ، وليس بقسم على الحقيقة لأن شرطه أن يؤكد به جملة خبرية موجبة أو منفية . ومن أمثلة قسم الاستعطاف قول إبراهيم بن هرمة :باللّه ربك إن دخلت فقل له * هذا أبوه هرمة بالباب