أي الأفاكون يلقون السمع إلى الشياطين فيتلقون منهم ظنونا وأمارات لنقصان علمهم فيضمون إليها على حسب تخيلاتهم أشياء لا يطابق أكثرها كما جاء في الحديث : « الكلمة يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه فيزيد فيها أكثر من مائة كذبة » . ولا كذلك محمد عليه الصلاة والسّلام فإنه أخبر عن مغيبات كثيرة لا تحصى وقد طابق كلها . وقد فسر الأكثر بالكل لقوله :
كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ
[ الشعراء : 222 ] والأظهر أن الأكثرية باعتبار أقوالهم على معنى أن هؤلاء قل من يصدق منهم فيما يحكى عن الجني . وقيل : الضمائر للشياطين أي يلقون السمع إلى الملأ الأعلى قبل أن رجموا فيختطفون منهم بعض المغيبات ويوحون به إلى أوليائهم ، أو يلقون مسموعهم منهم إلى أوليائهم وأكثرهم كاذبون فيما يوحون به إليهم إذ يسمعونهم ، لا على نحو ما تكلمت به الملائكة لشرارتهم أو لقصور فهمهم أو ضبطهم أو إفهامهم .
وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ
( 224 ) وأتباع محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ليسوا كذلك وهو استئناف أبطل كونه شاعرا ، وقرره بقوله :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ
( 225 ) لأن أكثر مقدماتهم خيالات لا حقيقة لها وأغلب كلماتهم في النسيب بالحرم والغزل والابتهار ، وتمزيق الأعراض والقدح في الأنساب والوعد الكاذب والافتخار الباطل ومدح من لا يستحقه والإطراء فيه . وإليه أشار بقوله :
وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ
( 226 ) فكأنه لما كان إعجاز القرآن من جهة المعنى واللفظ وقد قدحوا في المعنى بأنه مما تنزلت به الشياطين ، وفي اللفظ بأنه من جنس كلام الشعراء تكلم في القسمين وبين منافاة القرآن لهما ومضادة حال الرسول عليه السّلام لحال أربابهما . وقرأ نافع يتبعهم على التخفيف وقرىء بالتشديد وتسكين العين تشبيها لبعض يعضد .
شرح
لكونه في معنى الجمع وتكون الضمائر كلها للأفاكين . قوله : ( فيقرها ) بضم القاف أي يصبها يقال : قررت على رأسه الماء إذا صببته عليه ، وقر الحديث في أذنه يقره كأنه صبه فيها .
والذي قاله عليه الصلاة والسّلام كان قبل أن أوحي إليه وبعد ذلكفَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً[ الجن : 9 ] قال مقاتل : إن اللّه تعالى إذا أراد أمرا في الأرض أعلم به أهل السماوات من الملائكة فتكلموا به فيما بينهم فتسمع الشياطين فترميهم الملائكة بالشهب فيختطفون الخطفة فذلك قوله تعالى :يُلْقُونَ السَّمْعَالخ . فعلى هذا يكون ضمير« يُلْقُونَ »راجعا إلى« الشَّياطِينُ »وتكون جملة« يُلْقُونَ السَّمْعَ »حالا من الضمير في« تَنَزَّلُ ». قوله : ( وقد فسر الأكثر بالكل ) جواب عما يقال : كيف قيل :وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَبعدما حكم عليهم بأن كل واحد منهم أفاك ؟ وحاصله أن كونهم كاذبين مفترين في الخبر في أكثر ما يحكيه عنهم لا ينافي كونهم أفاكين كثيري الكذب وقوله : « ولا كذلك محمد » فإنه لا يتلقى ما أخبر به من الشياطين فيزيد فيه كذبات كما يفعله الكهنة ، كيف ولم يظهر في إخباره عليه الصلاة والسّلام