فسق لكنه في اقتضاء الجزاء مقيد بعدم المزاحم وفاقا وهو التوبة والإحباط بالطاعة إجماعا وبالعفو عندنا .
وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ
أي إلا رسلا إنهم فحذف الموصوف لدلالة المرسلين عليه وأقيمت الصفة مقامه كقوله :
وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ
[ الصافات : 164 ] ويجوز أن يكون حالا اكتفى فيها بالضمير وهو جواب لقولهم : ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق . وقرىء « يمشون » أي يمشيهم حوائجهم أو الناس .
وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ
أيها الناس
لِبَعْضٍ فِتْنَةً
ابتلاء . ومن ذلك ابتلاء الفقراء بالأغنياء والمرسلين وبالمرسل إليهم وبمناصبتهم لهم العداوة وإيذائهم لهم . وهو تسلية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على ما
شرح
جواب عن استدلال المعتزلة بهذه الآية على القطع بوعيد العصاة وأهل الكبائر بأن قالوا :
قوله تعالى :وَمَنْ يَظْلِمْيعم الكافر والفاسق لأن كل واحد منهما ظالم لقوله تعالى :إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ[ لقمان : 13 ] ولقوله :وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ[ الحجرات : 11 ] فثبت بهذه الآية أن الفاسق لا يعفى عنه بل يعذب . وتقرير الجواب ظاهر .
والمراد بالإحباط بالطاعة أن يزيل ذلك الظلم بطاعة هي أعظم من ذلك الظلم ، فلما كان اقتضاء هذا الشرط للجزاء المذكور مقيدا بأن لا يوجد ما يزيل ذلك الظلم فلم لم تقولوا إنه لم يوجد ما يزيله حتى قطعتم بتعذيبه ؟ قوله : ( إلا رسلا إنهم ) يعني كسرت همزة « إنهم » لوقوعها في صدر جملة وقعت صفة لموصوف محذوف . واعلم أن في الآية حذفين والتقدير : وما أرسلنا قبلك أحدا من المرسلين إلا رسلا إنهم يأكلون الطعام فحذف « أحدا » وأقيمت صفته وهي من « المرسلين » مقامه . وكذا حذف « رسلا » وأقيمت الجملة التي بعده مقامه وجاز استثناء رسلا من أحد لأنه في معنى الجمع كما في قوله تعالى :فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ[ الحاقة : 47 ] ويجوز أن تكون الجملة التي بعد « إلا » حالا من أعم الأحوال والتقدير : وما أرسلنا قبلك أحدا من المرسلين في حال من الأحوال إلا وهم يأكلون ، إلا أنه اكتفى فيها بالضمير عن الواو . قوله : ( وهو جواب لقولهم ) يعني أنه احتجاج عليهم في قولهم :ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ[ الفرقان : 7 ] ونقض له بحال الرسل جميعا ، كأنه قيل : لو كان موافقة الرسل المرسل إليهم في الأحوال منافيا لوجب أن لا يكون أحد من المرسلين قبلك رسولا يأكل ، وهو باطل فإذا لم يكن ذلك منافيا لرسالتهم لم يكن منافيا لرسالتك أيضا فإنك لا تكون بدعا منهم . وقرىء « يمشون » بضم الياء وفتح الشين المشددة ولو قرىء « يمشون » بضم الشين على بناء الفاعل لتكثر المشي لكان له وجه لولا أن الرواية بالفتح . يقال : نصبت لفلان نصبا إذا عاديته وناصبته الحرب مناصبة أي شاركته في المحاربة والمعاداة . قيل : قوله تعالى :وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةًتسلية له عليه السّلام