فإن الكرب مع الضيق والروح مع السعة . ولذلك وصف اللّه الجنة بأن
عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ
[ آل عمران : 133 ] وقرأ ابن كثير بسكون الياء .
مُقَرَّنِينَ
قرنت أيديهم إلى أعناقهم بالسلاسل
دَعَوْا هُنالِكَ
في ذلك المكان
ثُبُوراً
( 13 ) هلاكا أي يتمنون الهلاك وينادونه فيقولون : يا ثبوراه تعالى فهذا حينك .
لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً
أي يقال لهم ذلك
وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً
( 14 ) لأن عذابكم أنواع كثيرة كل نوع منها ثبور لشدته . أو لأنه يتجدد كقوله تعالى :
كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ
[ النساء : 56 ] أو لأنه لا ينقطع فهو في كل وقت ثبور .
قُلْ أَ ذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ
الإشارة إلى العذاب والاستفهام والتفضيل والترديد للتقريع مع التهكم ، أو إلى الكنز .
والجنة والراجع إلى الموصول محذوف وإضافة الجنة إلى الخلد للمدح أو الدلالة على خلودها أو التمييز عن جنات الدنيا .
كانَتْ لَهُمْ
في علم اللّه أو اللوح أو لأن ما وعده اللّه في تحققه كالواقع
جَزاءً
على أعمالهم بالوعد
وَمَصِيراً
( 15 ) ينقلبون إليه .
شرح
على الحال من« مَكاناً »لأنه في الأصل صفة و« مُقَرَّنِينَ »حال من مفعول« أُلْقُوا »و« ثُبُوراً »مفعول به لقوله : « دعوا » . روي عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أنه قال : إن جهنم لتضيق على الكافر كما يضيق الزج على الرمح . والزج الحديدة التي في رأس الرمح . وسئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن ذلك فقال : « والذي نفسي بيده إنهم يكرهون في النار كما يكره الوتد في الحائط » . ولقد جمع اللّه على أهل النار أنواع البلاء حتى ضم إلى العذاب الشديد الضيق الشديد ليكون ذلك لهم عذابا فوق عذابهم . قوله : ( والاستفهام الخ ) جواب عما يقال : كيف يتصور الشك في أيهما خير حتى يحسن الاستفهام والترديد ؟ وهل يجوز لقائل أن يقول :
الشكر خير أم الصبر ؟ وأجاب بأن ذلك يحسن في معرض التقريع والتهكم ، فإنه تعالى لما ذكر حال العقاب المعد لمن كذب بالساعة أتبعه بما يؤكد حسرته وندامته تقريعا له وتهكما ، وجنة الخلد هي الدار التي لا ينقطع نعيمها ولا ينتقل أهلها منها . ولما ورد أن الجنة اسم للدار المخلدة فأي فائدة في إضافتها إلى الخلد ؟ أشار إلى جوابه بقوله : « وإضافتها للمدح » كما أن الصفة للمدح فكذا الإضافة أو لأن اسم الجنة لا يدل إلا على البستان الجامع لوجوه البهجة ولا يدخل الخلود في مفهومه ، فأضيف إليها للدلالة على خلودها . قوله : ( بالوعد ) أي بالاستحقاق كما ذهب إليه المعتزلة فإن الثواب لا يجب على اللّه عندنا خلافا لهم . ويدل عليه قوله تعالى :وُعِدَ الْمُتَّقُونَفإن الموعود لا يكون واجبا على من وعد به قبل الوعد وإنما يجب عليه إنجازه بمقتضى الكرم . والمعتزلة احتجوا على أنها كانت لهم جزاء بالاستحقاق بوجهين : الأول أن اسم الجزاء لا يتناول إلا المستحق وأما الموعود بمحض