وأقاربهم فيطعمونهم كراهة أن يكونوا كلّا عليهم . وهذا إنما يكون إذا علم رضي صاحب البيت بإذن أو قرينة ، أو كان في أول الإسلام ثم نسخ بنحو قوله :
لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ
[ الأحزاب : 53 ] وقيل : نفي للحرج عنهم في القعود عن الجهاد وهو لا يلائم ما قبله وما بعده .
وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ
من البيوت التي فيها أزواجكم وعيالكم فيدخل فيها بيوت الأولاد لأن بيت الولد كبيته
شرح
على « مؤاكلة الأصحاء » يعني أن ضعفاء المؤمنين كانوا يدخلون على بعض أصدقائهم لطلب الطعام فإذا لم يكن عندهم طعام يطعمونه يدعونهم ويذهبون بهم إلى بيوت آبائهم أو أولادهم أو أقاربهم فيطعمونهم منها . فلما نزل قوله تعالى :وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِإِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْأي بيعا فعند ذلك امتنع الناس أن يأكل بعضهم من طعام بعض فنزلت هذه الآية . وعلل المصنف تحرجهم بقوله : « كراهة أن يكونوا كلا عليهم » والكل بفتح الكاف وتشديد اللام الملال والتعب والثقل ، والجمع الكلول ولم يجمع ههنا لكونه مصدرا في الأصل .
قوله : ( وهذا ) أي انتفاء الحرج في إجابة من يدعوهم إلى البيوت المذكورة ويأخذ الأكل منها يتوقف على رضى صاحب البيت بإذنه صريحا أو بما هو قرين الإذن ، وهو دلالة الحال كالقرابة والصداقة ونحو ذلك . وقيل : جواز الأكل من هذه البيوت بغير إذن مالكيها كان في صدر الإسلام ثم نسخ ذلك بقوله عليه الصلاة والسّلام : « لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس » . ومما يدل على هذا النسخ قوله تعالى :لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ[ الأحزاب : 53 ] وكان في أزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من لهن الآباء والأخوال وقد عم النهي عن دخول بيوتهم إلا بعد الإذن في الدخول وفي الأكل .
قوله : ( وقيل نفي للحرج عنهم في القعود عن الجهاد ) أي لا فيما يتعلق بالأكل . والمعنى :
ليس على هؤلاء حرج في القعود عن الغزو ولا عليكم في أن تأكلوا من البيوت المذكورة .
وهذا كلام صحيح في تحرجه لاستواء الطائفتين في نفي الحرج عنهم وهذا مثل أن يستفتيك مسافر عن الإفطار في رمضان وحاج مفرد عن تقديم الحلق على النحر . فقلت : ليس على المسافر حرج ولا عليك يا حاج في أن تقدم الحلق على النحر . ولم يرض المصنف بهذا التأويل حيث قال : « وهذا لا يلائم ما قبله ولا ما بعده » فإنه قيل : أولا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن ، وقيل آخرا ولا على أنفسكم أن تأكلوا فبيّن فيهما ما نفى كونه جناحا ولم يبين ذلك في قوله :لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌفينبغي أن يبيّن بما يلائم ما قبله وما بعده ، والقعود عن الغزو لا يلائم شيئا منهما . قوله : ( من البيوت التي فيها أزواجكم وعيالكم ) أي ليس المعنى أن تأكلوا من البيوت التي تسكنون فيها بأنفسكم وفيها طعامكم وسائر أموالكم ،