به .
لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ
بشعلة من النار . وقيل : جمرة .
أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً
( 10 ) هاديا يدلني على الطريق أو يهديني أبواب الدين ، فإن أفكار الأبرار مائلة إليها في كل ما يعن لهم . ولما كان حصولهما مترقبا بنى الأمر فيهما على الرجاء بخلاف الإيناس فإنه كان محققا ، ولذلك حققه لهم بأن ليوطنوا أنفسهم عليه . ومعنى الاستعلاء في علي النار أن أهلها مشرفون عليها أو مستعلون المكان القريب منها كما قال سيبويه في مررت بزيد : إنه لصوق بمكان يقرب منه .
فَلَمَّا أَتاها
أتى النار وجد نارا بيضاء تتقد في شجرة خضراء .
نُودِيَ يا مُوسى ( 11 ) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ
فتحه ابن كثير وأبو عمرو أي بأني ، وكسره الباقون بإضمار القول أو إجراء النداء مجراه وتكرير الضمير للتوكيد والتحقيق . قيل : إنه لما نودي قال : من المتكلم ؟ قال : إني أنا اللّه . فوسوس إليه إبليس لعلك تسمع كلام الشيطان فقال : أنا عرفت أنه كلام اللّه بأني أسمعه من جميع الجهات
شرح
يصحب الرفقة لئلا ترى امرأته فلذلك أخطأ الطريق . قوله : ( بشعلة من النار ) أي بشيء فيه لهب مقتبس من معظم النار . وقيل : القبس الجمرة الغير المشتعلة يقال : قبست منه نارا في رأس عود أو فتيلة أو غيرها . قال أكثر المفسرين : إن الذي رآه موسى عليه الصلاة والسّلام لم يكن نارا بل كان نور الرب تعالى ذكر بلفظ النار لأن موسى حسبه نارا ، فلما دنا منه رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها كأنها نار بيضاء فوقف متعجبا من شدة ضوء تلك النار وشدة خضرة تلك الشجرة ، فلا النار تغير خضرتها ولا كثرة ماء الشجرة تغير ضوء النار ، فسمع تسبيح الملائكة ورأى نورا عظيما . قال الإمام : والصحيح أنه رأى نارا ليكون صادقا في خبره إذ الكذب لا يجوز على الأنبياء . قوله : ( ولما كان حصولهما ) أي حصول الإتيان بالقبس ووجود الهدى مترقبين ومتوقعين ، بنى الأمر فيهما على الرجاء والطمع فقال : « لعلي » ولم يقطع بأن يقول : « إني آتيكم » لئلا يعد ما لم يتيقن الوفاء به . وانظر كيف احترز موسى عن شائبة الكذب قبل نبوته حيث لم يقل « آتيكم » بل قال :لَعَلِّي آتِيكُمْوإنما قال :
« أواجد على النار هدى » لأن النار قلما تخلو من أهلها وناس عندها . قوله : ( قال سيبويه في مررت بزيد ) تأكيد لقوله : « أو مستعلون المكان القريب منها » فإنه جعل اللصوق بمكان يقرب من النار بمثابة استعلاء نفس النار . قوله : ( قيل إنه لما نودي قال من المتكلم ) قال وهب :
لما نودي موسى أجاب سريعا وهو لا يدري من دعاه فقال : إني أسمع كلامك ولا أرى مكانك فأين أنت ؟ قال : أنا فوقك ومعك وأمامك وخلفك وأقرب إليك من نفسك . فعلم أن ذلك لا ينبغي إلا لربه فأيقن بأن المنادى هو اللّه تعالى . وأيضا لما سمعه من جميع الجهات بحيث لا يتفاوت سماعه من بعض الجهات على سماعه من الجهات الأخر علم بذلك أنه ليس بكلام المخلوقين وعلم ذلك أيضا بسماعه ذلك الكلام ، وأنه لما رأى النار في الشجرة