تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 543

مساهمون:

ص٥٤٣
بالحج لتآخ بين الهمزة وحرف اللين .
فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً
صمتا . وقد قرىء به . أو صياما وكانوا لا يتكلمون في صيامهم .
فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا
( 26 ) بعد أن أخبرتكم بنذري وإنما أكلم الملائكة وأناجي ربي . وقيل : أخبرتهم بنذرها بالإشارة وأمرها بذلك لكراهة المجادلة والاكتفاء بكلام عيسى عليه السّلام فإنه كاف في قطع الطاعن .
شرح
حرف لين تارة كما في : رأس ولوم ويبر وقلب حرف اللين همزة أخرى كما في : أخره وأقتت ، فلما استحكم التآخي بينهما في الإبدال أبدلت ياء « ترين » همزة ودخلت فيه « أن » الشرطية على « ما » الزائدة للتأكيد فأدغمت النون وكتبت متصلة بها . وترين أصله ترأيين حذف الهمزة كما في : يرى وقلبت الياء ألفا وحذفت الألف . قوله : ( صمتا أو صياما ) لا شك أن المعنى فإما ترين من البشر أحدا فسألك الكلام معه فقولي : كذا ولا تكلميه في أمرك شيئا . فإن الإمساك عن الكلام مراد من الصوم لا محالة وذلك إما بأن يكون الصوم عبارة عن الإمساك عن الكلام فقط أو يكون عبارة عن الإمساك عن المفطرات الثلاث والكلام جميعا . وكل واحد من المعنيين محتمل في الآية ، فإن الصوم في اللغة هو الإمساك عن الطعام والشراب والكلام ، فيصوم عن الكلام كما يصوم عن الطعام ولا يتكلم حتى يمسي ، فعلى هذا يكون النذر بالصوم نذرا بالامتناع عن الكلام صريحا وعلى الأول ضمنا . قوله : ( بعد أن أخبرتكم بنذري ) إشارة إلى جواب ما يقال : لما التزمت الصمت كيف يصح منها أن تقولإِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماًوهذا الكلام منها ترك لما نذرت من الصوم ؟ وحاصل الجواب أنها كانت مأمورة بهذا الكلام عند رؤيتها إياهم يسألونها عن سبب ولادتها لقوله تعالى :فَقُولِيوبه تكون ناذرة ويجب السكوت عليها بعد هذا الكلام ، فهي ليست بمأمورة بأن تنذر في الحال بل هي مأمورة بأن تصبر إلى أن يأتيها قومها فيتهموها فتقول لهم حينئذ :إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماًوقيل في الجواب : إنها ما تكلمت معهم لأنها كانت مأمورة بأن تأتي بهذا النذر عند رؤيتهم ، فلو أتت بهذا النذر وتكلمت معهم بعد ذلك لكانت تاركة للوفاء بنذرها ، وما تكلمت بل سكتت وأشارت بأنها نذرت الصوم . فالمراد بالقول في قوله تعالى : ( قولي ) إنشاء النذر بالقول لا جواب القوم وإعلامهم بنذرها . قوله : ( وإنما أكلم الملائكة وأناجي ربي ) مفهوم قوله : لنأُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّاحيث نفت عن نفسها التكلم المتعلق بالإنس . قوله : ( وأمرها بذلك ) يعني أمرها اللّه تعالى بأن تنذر الصوم ولا تباشر الكلام بينهم لوجهين : الأول كراهة مجادلة السفهاء فدل ذلك على أن السكوت عن السفيه واجب ، قيل : أذل الناس سفيه لم يجد مشافها . والثاني الاكتفاء بكلام عيسى عليه الصلاة والسّلام لكون كلامه أقوى في إزالة التهمة من كلامها .
حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 543 | محيي الدين محمد شيخ زاده / محمد عبد القادر شاهين