من مادة واحدة ، ثم ردها إليها ليس بعجيب مع أنه من آيات اللّه كالنزر الحقير . والكهف الغار الواسع في الجبل . والرقيم اسم الجبل أو الوادي الذي فيه كهفهم أو اسم قريتهم أو كلبهم . قال أمية بن أبي الصلت :
وليس بها إلا الرقيم مجاورا * وصيدهموا والقوم في الكهف همدا
شرح
ذلك كله ويجعله كأن لم يكن ، ثم أضرب عنه وقال :أَمْ حَسِبْتَكأنه قيل : يتعجب من قصة أصحاب الكهف ولا يتفكر في سائر الآيات ، فإن تزيين الأرض بأنواع المعادن والحيوان والنبات وإزالتها بالكلية بعد ما أخذت الأرض زخرفها وازينت أعظم وأعجب من قصة أصحاب الكهف ، والإنسان عادته أن يتعجب من شيء قل إيناسه به وإن كان الذي بحضرته أعجب منه . قال الإمام : تعجبوا من قصة أصحاب الكهف وسألوها من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على سبيل الامتحان ، فقال اللّه تعالى : أم حسبت أنهم كانوا من آياتنا عجبا فقط فلا تحسبن ذلك ، فإن آياتنا كلها عجب . فإن من كان قادرا على تخليق السماوات والأرض ثم تزيين الأرض بأنواع المعادن والنبات والحيوان ، ثم جعلها بعد ذلك صعيدا جرزا خاليا من الكل كيف يستبعدون قدرته على حفظ طائفة مدة ثلاثمائة سنة أو أكثر في النوم ؟ روي أن قريشا بعثوا إلى المدينة رهطا وقالوا لهم : سلوا أحبار اليهود عن محمد وصفته وأخبروهم عن قوله ، فإنهم أهل الكتاب الأول وعندهم من العلم ما ليس عندنا من علم الأنبياء . فخرج الرهط حتى قدموا المدينة فسألوا أحبار اليهود عن أخبار محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فقال أحبار اليهود : سلوه عن ثلاث : عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم فإن حديثهم عجب ، وعن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبأه ، وسلوه عن الروح ما هو . فإن أخبركم عن اثنين ولم يخبركم عن الثالث فهو نبي وإلا فمنقول . فلما قدم الرهط مكة قالوا : قد جئناكم بتفصيل ما بيننا وبين محمد ، وأخبروا ما قالت اليهود فجاؤوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وسألوه فقال عليه الصلاة والسّلام : « أخبركم بما سألتم عنه غدا » ، ولم يستثن . فانصرفوا عنه ومكث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيما يذكرون خمس عشرة ليلة وشق عليه ذلك حتى أرجف أهل مكة به وقالوا : وعدنا محمد غدا واليوم مضى خمس عشرة ليلة . وشق عليه ذلك ثم جاء جبريل من عند اللّه عزّ وجلّ بسورة أصحاب الكهف وفيها معاتبة اللّه تعالى إياه على جزمه ، وفيها خبر أولئك الفتية وخبر الرجل الطواف . و« عَجَباً »في قوله تعالى :كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباًخبر « كان » و « من آياتنا » حال منه لأنه في الأصل صفته ، فلما قدم صار حالا . قال أمية بن أبي الصلت :( وليس بها الرقيم مجاورا * وصيدهموا والقوم في الكهف همدا )