تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 349

مساهمون:

ص٣٤٩
أتصدقه على ذلك ؟ قال : إني لأصدقه على أبعد من ذلك . فسمي الصديق . واستنعته طائفة سافروا إلى بيت المقدس فجلى له فطفق ينظر إليه وينعته لهم فقالوا : أما النعت فقد أصاب . فقالوا : أخبرنا عن عيرنا فأخبرهم بعدد جمالها وأحوالها وقال : « تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس يقدمها جمل أورق » . فخرجوا ينشدون العير إلى السنية فصادفوا العير كما أخبر . ثم لم يؤمنوا وقالوا : ما هذا إلا سحر مبين . وكان ذلك قبل الهجرة بسنة . واختلف في أنه كان في المنام أو في اليقظة ، بروحه أو بجسده ، والأكثر على أنه أسري بجسده إلى بيت المقدس ثم عرج به إلى السماوات حتى انتهى إلى سدرة المنتهى . ولذلك تعجب قريش واستحالوه . والاستحالة مدفوعة بما ثبت في الهندسة أن ما بين
شرح
على طريق تسمية أحد الملابسين باسم الآخر فإنهم اتفقوا على أن المراد بقوله :إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَىبيت المقدس وكلمة « إلى » فيه لانتهاء الغاية . وسمي بالأقصى لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام ولم يكن خلفه مسجد فيكون أبعد المساجد من مكة . فمدلول قوله :إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَىأنه وصل إلى ذلك المسجد فأما كونه دخل ذلك المسجد أم لا فليس في اللفظ دلالة عليه . فلما كان المراد بالمنتهى الحد الملتبس بالمسجد الأقصى كان المناسب أن يكون المراد بالمبدأ أيضا الحد الملتبس بالمسجد الحرام ليطابق المبدأ المنتهى . قوله : ( واستنعته ) أي طلبوا منه عليه الصلاة والسّلام أن يبيّن لهم نعت بيت المقدس والمسجد الأقصى فجلى أي ظهر له في الحال ، فطفق ينظر إليه وينعته لهم . قوله : ( ولذلك تعجب قريش واستحالوه ) بناء على أن ارتفاع الجسد من مكة إلى بيت المقدس ثم منه إلى ما فوق العرش في مقدار ثلث الليل مما لا يقبله العقل . قال الإمام : ومما يدل على جوازه عقلا أنه ثبت في الهندسة أن قرص الشمس يساوي كرة الأرض مائة ونيفا وستين مرة ، ثم إنّا نشاهد أن طلوع القرص يحصل في زمان لطيف سريع وذلك يدل على أن بلوغ الحركة في السرعة إلى الحد المذكور أمر ممكن في نفسه . غاية ما في الباب أنه يبقى التعجب إلا أن مثل هذا التعجب لا يختص بهذا المقام بل هو حاصل في جميع المعجزات فمجرد التعجب لا يستلزم الإنكار والبطلان . وأيضا كما يستبعد في العقل صعود الجسم الكثيف من مركز العالم إلى ما فوق العرش فكذلك يستبعد نزول الجسم اللطيف الروحاني من فوق العرش إلى مركز العالم ، فإن كان القول بمعراج محمد صلّى اللّه عليه وسلّم في ليلة واحدة ممتنعا كان القول بنزول جبريل عليه الصلاة والسّلام من العرش إلى مكة في اللحظة الواحدة ممتنعا ، ولو حكمنا بهذا الامتناع كان ذلك طعنا في نبوة جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام ، والقول بثبوت المعراج متفرع على تسليم جواز أصل النبوة ، فثبت أن القائلين بامتناع حصول حركة جسمانية سريعة إلى هذا الحد يلزمهم القول بامتناع نزول جبريل عليه الصلاة والسّلام في لحظة واحدة من