تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 247

مساهمون:

ص٢٤٧
مُبِينٌ
( 4 ) للحجة أو خصيم مكافح لخالقه قائل :
مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ
[ يس : 78 ] روي أن أبيّ بن خلف أتى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بعظم رميم وقال : يا محمد أترى أن اللّه تعالى يحيي هذا بعدما قد رمم ؟ فنزلت :
وَالْأَنْعامَ
الإبل والبقر والغنم وانتصابها بمضمر يفسره .
خَلَقَها لَكُمْ
أو بالعطف على الإنسان و « خلقها لكم » بيان لما خلق لأجله وما بعده تفصيل له
فِيها دِفْءٌ
ما يدفأ به فبقي البرد
وَمَنافِعُ
نسلها ودرها وظهورها . وإنما عبر عنها بالمنافع ليتناول عوضها
وَمِنْها تَأْكُلُونَ
( 5 )
شرح
باعتبار كل واحد من بدنه ونفسه بعد الاستدلال عليه بخلق الأفلاك بقوله :خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍأشار إلى الاستدلال عليه باعتبار بدنه بقوله :خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍوقوله :فَإِذا هُوَ خَصِيمٌمبين استدلال عليه بأحوال نفسه . فإن خلق الجسد الحساس المتحرك بالإرادة من الماء المهين لا يقدر عليه سوى الإله القادر ، وأيضا النفوس الإنسانية في أول الفطرة أقل فهما وذكاء وفطنة من نفوس الحيوانات . ألا ترى أن ولد الدجاجة حين خروجه من قشر البيضة يميّز بين الصديق والعدو فيهرب من الهرة ويلتجىء ، ويميز بين ما يوافقه من الغذاء وما لا يوافقه ؟ بخلاف ولد الإنسان فإنه حين انفصاله عن بطن الأم لا يميز البتة بين الضار والنافع ، ثم إنه حال كبره يقوى عقله ويكمل فهمه بحيث يقدر على تعقل المعاني الدقيقة والعلوم الغامضة ويتمكن من أن يخاصم ويناظر ويجادل مع من ينازعه في جميع المطالب والمهمات . فانتقال نفس الإنسان من تلك المرتبة الدنية إلى هذه الكياسة المفرطة لا بد أن يكون بتدبير له مختار قادر على ما يشاء . فهذا هو المراد من قوله تعالى :فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌوقيل : معناه فإذا هو خصيم لربه ينكر ما أخبر به خالقه من البعث والجزاء مبين ظاهر الخصومة والمكافحة المخاصمة مواجهة ومشافهة . والصحيح أن الآية عامة لكونها مذكورة لتقرير الاستدلال على وجود الصانع وكمال قدرته لا لتقرير وقاحة الإنسان وتماديه في الكفر والغواية . قوله : ( بعدما قد رم ) أي بلى وتفتت يقال : رم العظم يرم بالكسر رمة إذا بلى فهو رميم . وإنما قال تعالى :مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ[ يس : 78 ] والقياس رميمة لأن فعيلا وفعولا قد يستوي فيهما المذكر والمؤنث والجمع مثل رسول وعدو وصديق . ولما كان أشرف الأجسام الموجودة في العالم السفلي بعد الإنسان الحيوانات التي ينتفع بها الإنسان وهي الأنعام ذكرها بعد ذكر الإنسان . والأنعام عبارة عن الأزواج الثمانية وهي : الضأن والمعز والإبل والبقر والغنم اسم للجنس المتناول للضأن والمعز والدفىء السخونة . واللام في قوله تعالى :لَكُمْ فِيها دِفْءٌيجوز أن تتعلق بخلقها أي خلقها لأجلكم ولمنافعكم ويكون قوله :فِيها دِفْءٌجملة اسمية قدم فيها الخبر أو يكون فيها حالا من « دفىء » لأنه لو تأخر لكان صفة له . قال الواحدي : تم الكلام عند قوله :وَالْأَنْعامَ خَلَقَها