أنا . وقوله :
فَاتَّقُونِ
رجوع إلى مخاطبتهم بما هو المقصود و « أن » مفسرة لأن الروح بمعنى الوحي الدال على القول ، أو مصدرية في موضع الجر بدلا من الروح ، أو النصب بنزع الخافض ، أو مخففة من الثقيلة . والآية تدل على أن نزول الوحي بوساطة الملائكة وأن حاصله التنبيه على التوحيد الذي هو منتهى كمال القوة العلمية والأمر بالتقوى الذي هو أقصى كمال القوة العملية وأن النبوة عطائية . والآيات التي بعدها دليل وحدانيته من حيث إنها تدل على أنه تعالى هو الموجد لأصول العالم وفروعه على وفق الحكمة والمصلحة ولو كان له شريك لقدر على ذلك فيلزم التمانع .
شرح
البخار اللطيف المتولد من غليان الدم المنبث في التجويف الأيسر من اللحم الصنوبري ، وأما الروح الطبيعي فهو الذي انتقل من هذا البخار إلى جانب الكبد ووصل إليه وأصلح حاله من التغذي والطبخ ونحو ذلك ، والروح النفساني هو ما دخل الشرايين من هذا البخار وتصاعد حتى وصل إلى الدماغ ، والبخار في هذه الدرجة يكون في غاية اللطافة ويتفرع عليه الانفعال الحيواني فيكون لغاية اللطافة ساريا إلى جميع الأعضاء والعروق نافذا في أعماق البدن ، فإن اتفق أن ظهرت سدة في شيء من الأعضاء سقط ذلك العضو عن العمل لعدم نفوذ الروح النفساني إليه بسبب السدة . واللّه أعلم . قوله : ( وأن مفسرة ) ذكر في كلمة « أن » ثلاثة أوجه :
الأول أن تكون مفسرة لأن الوحي فيه ضرب من القول . وفي الصحاح : الوحي الكتاب ، والوحي أيضا الإشارة والكتابة والرسالة والإلهام والكلام الخفي وكل ما ألقيته إلى غيرك يقال : وحيت إليه الكلام وأوحيت وهو أن تكلمه بكلام تخفيه . والثاني أن تكون مصدرية وهي التي من شأنها أن تنصب المضارع ، ووصلت ههنا بالأمر كما في قولك : كتبت إليه بأن قم فإن فعل الأمر لما دل على المصدر كالمضارع صح أن يدخل عليه ما يجعله في تأويل المصدر . والثالث أن تكون مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن المحذوف تقديره : ينزل الملائكة بأن الشأن وهو مبتدأ و « أنذروا » خبره وهو إنشاء فلا بد من تقدير القول ليصح حمل الإنشاء على المبتدأ فإن قلنا : إنها مفسرة لا يكون لها محل من الإعراب ، وإن كانت مخففة أو ناصبة تكون في محل الجر إما على أنها بدل من « الروح » كما اختاره الزجاج وقال : إنه بدل من الروح والمعنى : ينزل الملائكة بأن أنذروا أي اعلموا الخلائق أنه لا إله إلا أنا . وإما على إسقاط الخافض وإبقاء عمله كما هو مذهب بعض النحاة ، أو في محل النصب بنزع الخافض كما ذهب إليه الآخرون . والأصل بأن انذروا . قوله : ( وأن النبوة عطائية ) أي لا يخصصها بواحد دون واحد سوى تعلق المشيئة ويدل عليه قوله تعالى :عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِثم إنه تعالى لما بيّن أن أصل السعادات ومنتهى كمال القوة العلمية معرّفة الصانع شرع في تقرير الدلائل الدالة على وجود الصانع ووحدته ودلالة المصنوعات