. . . . . . . . .
شرح
لكنه نسخها وحرفها نحو تحريف القبلة ونسخ أكثر أحكام التوراة والإنجيل ، فوجب أن لا يكون نبيا حقا . فأجاب اللّه تعالى عنه بقوله : لكل وقت حكم يليق بصلاح أهله وحالهم فإن الحكمة تقتضي اختلاف الأحكام على حسب الأعصار والأمم وعلى حسب تخصيص المشيئة الإلهية أهل كل عصر بحكم على حدة ، كما قال اللّه تعالى :يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُإن فسر بما ذكره المصنف رحمه اللّه تعالى بقوله : « ينسخ ما يستصوب نسخه ويثبت ما تقتضيه حكمته » قال الإمام رحمة اللّه تعالى عليه : في هذه الآية قولان : الأول أنها عامة في كل شيء كما يقتضيه اللفظ قالوا : إن اللّه يمحو من الرزق ويزيد فيه وكذا في الأجل والسعادة والشقاوة والإيمان والكفر . وهو مذهب عمر وابن مسعود رضي اللّه عنهما . والقائلون بهذا القول كانوا يدعون ويتضرعون إلى اللّه في أن يجعلهم سعداء لا أشقياء ، وهذا التأويل رواه جابر رضي اللّه عنه قال : كان يطوف بالبيت وهو يبكي ويقول : اللهم إن كنت كتبتني في أهل الشقاة فامحني وأثبتني في أهل السعادة والمغفرة فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب .
وروي مثله عن ابن مسعود رضي اللّه عنه أيضا . والقول الثاني : إن الآية خاصة في بعض الأشياء دون بعض ، وعلى هذا التقدير ففي الآية وجوه : الأول أن المراد من المحو والإثبات نسخ الحكم المتقدم وإثبات حكم آخر لا عين الأول . فقد روي عن سعيد بن جبير وقتادة رضي اللّه تعالى عنهما : يمحو اللّه ما يشاء من الشرائع فينسخه ويثبت ما يشاء فلا ينسخه .
وهذا القول اختيار أبي علي الفارسي قال : هذا واللّه أعلم فيما يحتمل النسخ والتبديل من الشرائع الموقوفة على المصالح على حسب الأوقات ، فأما ما كان من غير ذلك فلا يمحى ولا يبدل . والثاني أنه تعالى يمحو من ديوان الحفظة ما ليس بحسنة ولا سيئة وذلك لأنهم مأمورون بكتابة جميع ما يقوله الإنسان ويفعله . فإذا كان يوم الاثنين ويوم الخميس يعارض ما كتبه الحفظة بما في اللوح المحفوظ ، فيلقى من كتاب الحفظة ما لا جزاء له من ثواب وعقاب ويثبت ما له جزاء من أحدهما ويترك مكتوبا كما هو . والثالث أن من أذنب ذنبا أثبت اللّه تعالى ذلك الذنب في ديوانه فإذا تاب عنه يمحو ذلك من ديوانه . وقال عكرمة : يمحو اللّه سيئات التائب ويثبت بدلها حسنات . والرابع : يمحو اللّه ما يشاء وهو ما جاء أجله ويدع من لم يجئ أجله ويثبته ، وأن اللّه تعالى يمحو ما يشاء ويثبت إلا الشقاوة والسعادة والموت والحياة والرزق والأجل . ويدل على صحة هذا القول ما روي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إذا مضى على النطفة خمس وأربعون ليلة يدخل الملك ويقول : يا رب أذكر أم أنثى فيقضي اللّه عز وجل ويكتب الملك فيقول : ما أجله وعمله ورزقه فيقضي اللّه تعالى ويكتب الملك ، ثم تطوى الصحيفة فلا يزداد فيها ولا ينقص منها » . وقال ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما : هما كتابان