المتخلفين يعني منافقيهم فإن كلهم لم يكونوا منافقين أو من بقي منهم وكان المتخلفون اثني عشر رجلا .
فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ
إلى غزوة أخرى بعد تبوك
فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا
إخبار في معنى النهي للمبالغة .
إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ
تعليل لهم . وكان إسقاطهم عن ديوان الغزاة عقوبة لهم على تخلفهم وأول مرة هي الخروجة إلى غزوة تبوك .
فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ
( 83 ) أي المتخلفين لعدم لياقتهم للجهاد كالنساء والصبيان . وقرىء مع الخلفين على قصر الخالفين .
شرح
منصوبان على المصدر . قوله : ( فإن كلهم لم يكونوا منافقين ) علة لتخصيص المخلفين بالمنافقين منهم ، وهذا على تقدير أن يجعل ضمير منهم للمخلفين وإن جعل للمنافقين وكان المراد بالطائفة من بقي من المنافقين فلا تخصيص .
قوله : ( وكان إسقاطهم عن ديوان الغزاة عقوبة لهم ) لما فيه من إظهار نفاقهم وكون خروجهم للغزاة مؤديا إلى أنواع من المفاسد ، وذلك لأن استصحاب المسلمين في الغزوات وترغيبهم في الجهاد أمر معلوم بالضرورة فلما امتنع هؤلاء عن الخروج إلى الغزو بعد استئذانهم له كان ذلك تصريحا بكونهم خارجين عن زمرة من كلف بالجهاد وهذا تفضيح وإهانة في حياتهم . ثم إنه كلف رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بأن يفضحهم بعد الوفاة حيث قال :وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِروي عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما : أن ابن أبي دعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في مرضه فلما دخل عليه سأله أن يستغفر له ويصلي عليه إذا مات ويقوم على قبره ، ثم إنه أرسل إلى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يطلب منه قميصه ليكفن فيه فأرسل إليه القميص الفوقاني فرده وطلب منه القميص الذي يلي جلده ليكفن فيه . فقال عمر : أتعطي قميصك للرجس النجس ؟ فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن قميصي لا يغني عنه من اللّه شيئا ولعل اللّه أن يدخل به الناس في الإسلام » . وكان المنافقون عند عبد اللّه فلما رأوه يطلب القميص منه ويرجو أن ينفعه أسلم منهم ألف . فلما مات جاء ابنه يعرفه صلّى اللّه عليه وسلّم بموته قبل دفنه فقال : إن لم تصل عليه يا رسول اللّه لم يصل عليه مسلم . فقام عليه الصلاة والسّلام ليصلي فجاء عمر فقام بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وبين القبلة لئلا يصلي عليه . فنزلت الآية . وأخذ جبريل صلّى اللّه عليه وسلّم بثوبه وقال :لا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداًفأعرض عن الصلاة عليه . وهذا يدل على منقبة عظيمة من مناقب عمر رضي اللّه عنه فإن الوحي كان ينزل على وفق قوله في آيات كثيرة منها هذه الآية وهو منصب عال ودرجة رفيعة في الدين فلهذا قال صلّى اللّه عليه وسلّم في حقه : « لو لم أبعث لبعثت يا عمر نبيّا » . فإن قيل : كيف يجوز أن يقال :
إن الرسول رغب في أن يصلي عليه بعد أن علم كونه كافرا قد مات على كفره وأن صلاته دعاء له بالمغفرة ؟ وذلك محظور لأنه تعالى منعه عن أن يستغفر لمشرك وأعلمه أنه لا يغفر