ولسائر آيات التحدّي . ولأنّ الكلام فيه لا في المنزل عليه فحقّه أن لا ينفكّ عنه ليتّسق الترتيب والنظم ولأنّ مخاطبة الجمّ الغفير بأن يأتوا بمثل ما أتى به واحد من أبناء جلدتهم أبلغ في التحدّي من أنت يقال لهم ليأت بنحو ما أتى به هذا آخر مثله ، ولأنه معجز في نفسه لا بالنسبة إليه لقوله تعالى :
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ
[ الإسراء : 88 ] ولأن ردّه إلى عبدنا يوهم إمكان صدوره ممن لم يكن على صفته ولا يلايمه قوله تعالى :
شرح
رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في كونه أميا لم يكتب ولم يقرأ وتكون الجماعة المخاطبون مأمورين بالنقل عنه . ولا شك أن طلب المعارضة من الجميع أبلغ في التحدي والتبكيت من طلب المعارضة من واحد أمي لجواز عجز الواحد الأمي وقدرة الجميع ، والجم الكثير والغفير قيل : من الغفر وهو الستر والتغطية كأنهم لكثرتهم يغطون الأرض ويغطون ما وراءهم ، فوصف الجم بالغفير لتأكيد ما فيه من معنى الكثرة . والرابع الدلالة على أن المنزل معجز في نفسه لا من حيث كون المنزل عليه أميا كما يفهم ذلك من رجوع الضمير إلى المنزل عليه . والخامس الخلو عن إيهام خلاف المقصود فإن رده إلى عبدنا يوهم إمكان صدوره ممن لم يكن على صفته بأن كان ممارسا للخط ودراسة العلوم وتتبع الكتب . والسادس الملايمة لقوله تعالى :وَادْعُوا شُهَداءَكُمْفإن إرجاع الضمير إلى عبدنا لا يلايم قوله :وَادْعُوا شُهَداءَكُمْفقول المصنف : « ولا يلايمه » عطف على قوله : « يوهم » وقوله : « فإنه » علة لقوله : « ولا يلايمه » .
وتقريره أن قوله تعالى :وَادْعُوا شُهَداءَكُمْأمر لهم بأن يستعينوا بكل من ينصرهم على معنى ادعوا حاضريكم ليعاونوكم على إتيان مثل المنزل وليشهدوا لكم أنكم قادرون على إتيانه وإن ما أتيتم مثل المنزل . وهذا المعنى إنما يلايم رجوع ضمير مثله إلى المنزل وكون طلب المعارضة من الجميع ، ولو كان المعنى أمرهم بأن ينقلوا ويحكوا صورة صادرة من واحد مثل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في كونه أميا لكان المناسب أن يقال : لتدع بالتوحيد لأن الاحتياج إلى المعين إنما هو نظم الكلام وتأليفه البليغ لا في نقل المؤلف وحكايته . وقوله تعالى :ادْعُواأمر من دعا إلى الشيء دعاء ودعوة بفتح الدال ، والأول مطلق المصدر والثاني المرة منه . والدعوة بالضم المأدبة والدعوة بالكسر ادعاء الولد . والدعاء يجيء لمعان واختلف في معناه ههنا فقيل : معناه احضروا ، وقيل : استعينوا . واستعمله الشاعر في معنى الاستعانة حيث قال :وقبلك رب خصم قد تمالوا * على فما جزعت ولا دعوتوقول المصنف : « فإنه أمر بأن يستعينوا » اختيار منه للقول الثاني وقوله : « بكل من ينصرهم » تعبير عن الشهداء بأي معنى كان . أي سواء كان الشهيد بمعنى الحاضر أو القائم