تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 378

مساهمون:

ص٣٧٨
وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ
عطف على جعل وخروج الثمار بقدرة اللّه تعالى ومشيئته ولكن جعل الماء الممزوج بالتراب سببا في إخراجها ومادّة لها كالنطفة للحيوان بأن أجرى عادته بإضافات صورها وكيفياتها على المادة الممزوجة منهما أو أبدع في الماء قوة فاعلة وفي الأرض قوة قابلة يتولد من اجتماعهما أنواع الثمار ، وهو قادر على أن يوجد الأشياء كلها بلا أسباب ومواد كما أبدع نفوس الأسباب والموادّ ولكن له في إنشائها مدرّجا من حال إلى حال صنعا وحكما يجدّد فيها لأولي الأبصار عبرا وسكونا إلى عظيم قدرته ليس في إيجادها دفعة . ومن الأولى للابتداء سواء أريد بالسماء السحاب فإن ما علاك سماء أو الفلك فإن المطر يبتدئ من السماء إلى السحاب ومنه إلى الأرض على ما دلّت عليه الظواهر ، أو من أسباب سماويّة تثير الأجزاء الرطبة من أعماق الأرض إلى جوّ الهواء تنعقد سحابا ماطرا . ومن الثانية
شرح
الماء معناه إيجادها وخلقها لا نقلها من داخل الأشجار إلى خارجها لأن الثمار بأعيانها ليست بموجودة في داخل الأشجار ليصح إخراجها منها حقيقة . والثمرة في الأصل حمل الشجرة ثم اتسع فيها فجعلت اسما لكل ما ينتفع به متفرعا على أصل زائدا عليه يقال : ثمر اللّه مالك أي أنماه وزاده ، وعقل مثمر إذا كان يهدي صاحبه إلى رشد وصلاح . فلذلك قال المفسرون : أراد بالثمرات جميع ما ينتفع به مما يخرج من الأرض ، وفسروا قوله :رِزْقاً لَكُمْبأن قالوا : طعاما لكم وعلفا لدوابكم . قوله : ( وخروج الثمار بقدرة اللّه تعالى ) جملة اسمية أوردها جوابا عما يقال : إن السبب في خروج الثمار إنما هو قدرة اللّه تعالى ومشيئته لا الماء . ومحصول الجواب نعم إن السبب ألفا على هو اللّه تعالى بقدرته ومشيئته إلا أنه تعالى جعل الماء الممتزج بالتراب سببا ماديا لقبول صور الثمار وكيفياتها وأجرى عادته على إفاضة تلك الصور والأوصاف على تلك العلة المادية مع كونه قادرا على إبداعها وإيجادها بلا مادة ، كما أبدع نعم أهل الجنة وثمارهم كذلك ، وكما أبدع أعيان المواد وذواتها كذلك . قوله : ( بأن أجرى ) متعلق ب « جعل » وضمير « منهما » راجع إلى الماء والتراب . قوله : ( أو أبدع ) عطف على « جعل » وضمير « اجتماعهما » راجع إلى القوتين المذكورتين . قوله : ( نفوس الأسباب ) أي أعيانها وذواتها وقوله : « له » خبر لقوله : « صنعا » قدم عليه وقوله : « مدرجا » إن كان على صيغة اسم الفاعل يكون حالا من فاعل إنشائها وهو اللّه تعالى وهو وإن لم يكن مذكورا لفظا لكنه مراد معنى . وإن كان على لفظ اسم المفعول يكون حالا من الضمير البارز والمجرور في إنشائها بتأويل كل واحد منهما . والمنوي في قوله : « يجدد » راجع إلى اللّه تعالى وضمير « فيها » راجع للمدرج منها