جوانبها بارزا عن الماء مع ما في طبعه من الإحاطة بها وصيّرها متوسّطة بين الصلابة واللطافة حتى صارت مهيأة لأن يقعدوا ويناموا عليها كالفراش المبسوط ، وذلك لا يستدعي كونها مسطحة لأن كرية شكلها مع عظم حجمها واتساع جرمها لا تأبى الافتراش عليها .
وَالسَّماءَ بِناءً
قبّة مضروبة عليكم والسماء اسم جنس يقع على الواحد والمتعدد كالدينار والدرهم وقيل : جمع سماءة والبناء مصدر سمي به المبني بيتا كان أو قبة أو خباء ومنه بنى على امرأته لأنهم كانوا إذا تزوجوا ضربوا عليه خباء جديدا .
شرح
وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً[ الزخرف : 19 ] يحتمل أن يكون بمعنى التصيير بالقول على معنى أنهم سموا الملائكة إناثا وقالوا : إنهم إناث ، وأن يكون بمعنى التصيير بالاعتقاد على معنى أنهم اعتقدوا الملائكة إناثا وكذا قوله تعالى حكاية عن الكفرةأَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً[ ص : 5 ] يحتملهما أي أصير محمد صلّى اللّه عليه وسلّم الآلهة إلها واحدا بأن قال بوحدة الإله أي بأن أعتقد ذلك ؟ وكذا قوله تعالى :فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً[ البقرة : 22 ] يحتملهما كما سيشير إليه . قوله : ( مع ما في طبعه من الإخاطة بها ) فإن الأرض بحسب طبعها تقتضي السفل وأن تكون في وسط الكل غائصة في الماء ، وأن طبيعة الماء تقتضي أن تحيط بالأرض إلا أن الحكمة الإلهية لما اقتضت أن يخلق أنواع الحيوانات التي لا يمكن أن تعيش إلا باستنشاق الهواء وأكل ما ينبت في الأرض والاستقرار على ظهرها ، أخرج الأرض عن مقتضى طبيعتها وأخرج بعض جوانبها من الماء وبسطه مسكنا للحيوانات ومحلا لحصول أرزاقها من أنواع النبات والثمرات رحمة للعباد .
قوله : ( قبة مضروبة عليكم ) القبة هي المستديرة من الخيام شبهت السماء بها تشبيها بليغا . والسماء اسم جنس يقع على الواحد كما في قوله تعالى :وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا[ الملك : 5 ] وعلى المتعدد كما في قوله تعالى :ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ[ البقرة : 29 ] والمراد به السماوات السبع . وكذا في هذه الآية لأن المصير بناء هو الكل لا البعض . وأطلق اسم السماء على الكل لأنه اسم جنس وقيل : إنه جمع سماءة مثل عباء وعباءة . قوله : ( والبناء مصدر سمي به المبني ) فإن الفعال بمعنى المفعول كثير ومنه المهاد بمعنى الممهود ، والبساط بمعنى المبسوط ، والخباء واحد الأخبية ويكون من وبر أو صوف ولا يكون من شعر ، والوبر للبعير والصوف للشاة والشعر للمعز . وقولهم : بني على امرأته كناية عن دخوله عليها واجتماعه معها لأن ضرب الخباء ونحوه مما يصلح للسكنى من لوازم دخول الزوج بها . وإطلاق اللازم لينتقل منه إلى الملزوم كناية ، وإخراج الثمرات بسبب