المقصود . وأقحمت بينهما ها التنبيه تأكيدا وتعويضا عما يستحقه أي من المضاف إليه وإنما كثر النداء على هذه الطريقة في القرآن لاستقلاله بأوجه من التأكيد . وكلّ ما نادى اللّه له عباده من حيث إنّها أمور عظام من حقها أن يتفطنوا لها ويقبلوا بقلوبهم عليها
شرح
المقصود بالنداء يعني أن كلمة « أي » وإن كانت في الحقيقة وصلة إلى نداء المعرف باللام وكان المقصود بالنداء هو المعرف باللام إلا أنها لما وليها حرف النداء أعطي لها حكم المنادى حيث بنيت على الضم ، ثم إنها لما قطعت عن الإضافة عادت اسما مبهما مفتقرا إلى ما يوضحها ويزيل أبهامها فلذلك أجرى عليها المقصود بالنداء حال كونه وصفا موضحا لها فاستحقت عليه النداء بهذا الطريق ، واتضح المقصود بالنداء فكان قولنا : يا أيها الرجل بمنزلة « يا رجل » ، ولما ورد أن يقال إن كلمة « أي » لما أعطي لها حكم المنادى ومحله فلم التزم رفع المقصود بالنداء ؟ أجاب عنه بقوله : « والتزم رفعه إشعارا بأنه المقصود » بالنداء فإنه لما التزم فيه ما هو حق المنادى المفرد المعرفة مع كون الظاهر جواز الأمرين أشعر ذلك بأنه المقصود بالنداء . والإقحام إدخال شيء في شيء بشدة وعنف ، وأشار بذكره إلى أن ما بين الصفة والموصوف ليس موضع تخلل شيء أجنبي وتخصيص « ها » التنبيه بذلك للمناسبة بينها وبين النداء ، لأن النداء أيضا تنبيه وإيقاظ للمنادى فصحت مؤكدة للنداء . و « أي » اسم حقه أن يضاف إلى متعدد لفظا نحو : أيهما وأيهم أو معنى نحو : أي رجل يأتيني . قوله : ( وإنما كثر النداء على هذه الطريقة ) وهي أن يجعل حرف النداء لفظ « يا » الموضوعة لنداء البعيد وأن يجعل المنادى مبهما موصوفا باسم جنس كشفا وبيانا له ، وأن يقحم « ها » التنبيه زيادة إيقاظ للمنادى لاستقلال النداء على هذه الطريقة بأوجه من التأكيد وهو أن اختيار لفظ البعيد في نداء القريب يؤكد الحث على المدعو له ويقويه ، وكذلك حرف التنبيه يؤكد معنى حرف النداء وهو تنبيه المنادى وأيقاظه . وأن المجيء « بأي » ثم بصفته الموضحة يتضمن أمرين كل واحد منهما يفيد تأكيد المنادى وتقريره الأول تكرير ذكر المنادى حيث ذكر أولا مبهما وثانيا مفصلا ، والثاني تدرج الكلام من الإبهام إلى التوضيح ومن الإجمال إلى التفصيل فإنه أكثر تقريرا للمراد وأثبت له في الذهن . وقوله : « وكل ما نادى اللّه له » أي لأجله عباده مبتدأ و « حقيق » خبره وقوله : « من حيث » متعلق بقوله : « حقيق بأن ينادى له » أي حقيق بأن ينادي اللّه تعالى لأجله بآكد الطرق وأبلغها ، والضمير المجرور في « له » راجع إلى كلمة « ما » وكذا الضمير الذي في قوله : « إنها » إلا أنه أنّث هذا الضمير لأنه عبارة عن أمور عظام ، وقوله :
« وأكثرهم » منصوب عطفا على اسم « أن » أي ومن حيث إن أكثرهم غافلون عنها . وهذه الجملة الكبرى استيناف لبيان وجه كون الاستقلال بأوجه علة من التأكيد موجبة لكثرة النداء على هذه الطريقة في القرآن العظيم كأنه قيل : لما كان الاستقلال المذكور موجبا لكثرة النداء