تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 319

مساهمون:

ص٣١٩
أو لأنّ الإطفاء حصل بسبب خفي أو أمر سماويّ كريح أو مطر ، أو للمبالغة ، ولذلك عدّي الفعل بالباء دون الهمزة لما فيها من معنى الاستصحاب والاستمساك . يقال : ذهب السلطان بماله إذا أخذه وما أخذه اللّه وأمسكه فلا مرسل له ، ولذلك عدل عن الضوء الذي هو مقتضى اللفظ إلى النور فإنه لو قيل ذهب اللّه بضوئهم احتمل ذهابه بما في
شرح
سبحانه وتعالى بنورهم ، فإسناده إليه سبحانه وتعالى حينئذ يكون حقيقة بلا خفاء . وأجاب عنه بوجوه : الأول أن المستوقدين وإن لم يفعلوا ما يستحقون به ذلك إلا أنه أسند الذهاب إليه سبحانه وتعالى بناء على أن الحوادث كلها سواء كان لكسب العبد مدخل في وجودها أولا مسندة إليه سبحانه وتعالى خلقا ، وأنه لا يقبح شيء بالنسبة إليه سبحانه وتعالى عند أهل السنة . قوله : ( أو لأن الأطفاء حصل بسبب خفي ) جواب ثان للإيراد المذكور تقريره : « أن ذلك الإسناد مجازي من قبيل إسناد الفعل إلى المسبب أي موجد سببه مع أن حقه أن يسند إلى سببه الحقيقي أي فاعله الذي لو أسند إليه الفعل كان حقيقة لكنه صرف عنه وأسند إلى فاعله المجازي ثم إن السبب الحقيقي قد يكون خفيا لا يعلم خصوصه وقد لا يكون خفيا بل يكون معلوما متعينا كالريح والمطر مثلا ، وأشار إليهما بقوله : « بسبب خفي أو أمر سماوي » وعلى التقديرين يكون إسناده إليه سبحانه وتعالى لكونه مسببا موجدا لذلك السبب . قوله : ( أو للمبالغة ) في ذهاب نورهم لأن ما أخذه اللّه سبحانه وتعالى وأمسكه فلا مرسل له . وهو جواب آخر عن الإيراد المذكور تقريره : أن الكلام المشتمل على الإسناد وطرفيه والتعلق استعارة تمثيلية مثل : سال به الوادي وطارت به العنقاء فكذا قوله سبحانه وتعالى :ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْأريد به تمثيل نورهم في انطماسه رأسا بحيث لا يتوقع الظفر به بعد بالأشياء التي ذهب اللّه بها فأطلق على المشبه ما يعبر به عن الحال المشبه به للمبالغة في ذهاب نورهم . قوله : ( ولذلك ) أي ولقصد المبالغة عدى ذهب بالباء دون الهمزة ، مع أن الهمزة أظهر في إفادة معنى التعدية . قال الإمام : الفرق بين أذهبه وذهب به أن معنى أذهبه أزاله وجعله ذاهبا ، ومعنى ذهب به استصحبه ومضى به معه وذهب . فمعنى الآية أخذ اللّه نورهم وأمسكه ، وظاهر أن ما أخذه اللّه سبحانه وتعالى وأمسكه فلا مرسل له فظهر أن ذهب به أبلغ من أذهبه . قوله : ( ولذلك عدل ) أي ولقصد المبالغة أيضا عدل عن مقتضى الظاهر ، وهو أن يقال : ذهب للّه بضوئهم ليطابق قوله :فَلَمَّا أَضاءَتْثم بيّن وجه العدول وأبلغية ما عدل إليه بالنسبة إلى ما عدل عنه بقوله : فإنه لو قيل . والحاصل أن الضوء أتم وأقوى من النور فإن النور كيفية ظاهرة بنفسها مظهرة لغيرها وهو مقول بالتشكيك يطلق على الضعيف والقوي والذاتي والعرضي ، والضوء لا يطلق إلا على التام القوي فلذلك أضيف إلى الشمس في قوله سبحانه وتعالى :هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً[ يونس : 5 ] فإذا كان في الضوء زيادة