ونصب أنفسهم بنزع الخافض . والنفس ذات الشيء وحقيقته ، ثم قيل للروح لأن نفس الحيّ به ، وللقلب لأنه محل الروح أو متعلقه ، وللدم لأن قوامها به ، وللماء لفرط حاجتها إليه ، وللرأي في قولهم : فلان يؤامر نفسه لأنه ينبعث عنها أو يشبه ذاتا ما تأمره
شرح
وهو ما لا يذكر فيه المستثنى منه ، وشرطه أن يكون بعد نفي أو شبهه كالاستفهام والنهي .
قوله : ( والنفس ذات الشيء وحقيقته ) سواء كان جسمانيا أولا لقوله تعالى :تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ[ المائدة : 116 ] والمتبادر من هذه العبارة أن يكون لفظ « النفس » حقيقة في الذات مجازا فيما عداه فيكون قوله : « لأن نفس الحي » به بيانا للعلاقة بينها وبين ذات الشيء ، نقل أولا من ذات الشيء وأطلق على الروح سواء كان روحا حيوانيا وهو البخار المطيف ، أو إنسانيا وهو النفس الناطقة بناء على أن الروح بأي معنى كانت سبب لقوام النفس بمعنى ذات الشيء الحي على طريق إطلاق اسم المسبب على السبب . ثم نقل عنه إلى القلب لأنه محل الروح الحيواني فإن القلب له تجويف في جانبه الأيسر ينجذب إليه لطيف الدم فيتحرر بحرارته فذلك البخار هو المسمى بالروح عند الأطباء ، ثم إنه يسري من القلب إلى جميع البدن ولما كان القلب منبعه قال : « لأنه محل الروح » . قوله : ( أو متعلقه ) أي أو لأن القلب متعلق الروح على أن يراد بالروح الروح الإنساني ، وهو عند أكثر المتكلمين جسم لطيف ساري في البدن حال فيه ، وإذا تعلق بجميع البدن تعلق الحلول يكون متعلقا بالقلب الذي هو العضو الصنوبري . والروح عند الحكماء مجرد تعلق الروح بالبدن تعلق التدبير والتصرف بواسطة تعلقه بالروح الحيواني الحال في القلب ، وهو عندهم ليس بجسم ولا متعلق بالجسم تعلق الحلو فيه . قوله : ( وللدم ) أي ونقل لفظ النفس من ذات الشيء للدم ، وقيل للدم نفس من حيث إن نفس الشيء أي ذاته تتقوم بالدم ، حيث روي أن بعض الأطباء ذهبوا إلى أن الروح هو الدم . وقيل للماء أيضا نفس لأن ذات الشيء تحتاج إليه فرط احتياج قال تعالى :وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ[ الأنبياء : 30 ] روي أن قيصر بعث إلى معاوية بقارورة وقال له : اجعل فيها كل شيء . فسأل ابن عباس رضي اللّه عنهما فقال لهم : اجعل فيها ماء . قوله : ( وللرأي في قولهم فلان يؤامر نفسه ) أي يشاور رأيه إذا تردد في الأمر واتجه له رأيان داعيان لا يدري على أيهما يعتمد . قوله : ( لأنه ينبعث عنها ) أي لأن الرأي ينبعث عن ذات فلان ، وهو إشارة إلى إطلاق النفس على الرأي مجازا مرسلا من قبيل إطلاق السبب على المسبب من حيث إن الرأي يتسبب عن النفس . قوله : ( أو يشبه ذاتا ما تأمره ) عطف على قوله « ينبعث » فعلى هذا يكون اسم إطلاق النفس على الرأي على طريق الاستعارة المبنية على تشبيه الرأي الداعي بالذات المشير الآمر ، وإطلاق اسم المشبه به على المشبه . وفي الحواشي الشريفية : كونه استعارة مبنية على المشابهة أنسب بهذا المقام