والآية ممّا احتجّ به من جوّز تكليف ما لا يطاق فإنّه سبحانه وتعالى أخبر عنهم بأنهم لا يؤمنون وأمرهم بالإيمان فلو آمنوا انقلب خبره كذبا ، وشمل إيمانهم الإيمان بأنّهم لا
شرح
بين اسم « إن » وخبرها وكون ما قبلها جملة مبني على أن يكون قوله :سَواءٌخبرا لما بعده لأنه إذا كان خبر « إن » وكان ما بعده مرفوعا به على الفاعلية ، وكان المعنى إن الذين كفروا مستو عليهم إنذارك وعدمه لا يكون جملة فلا يكون اعتراضا ، لأن الاعتراض عند الجمهور عبارة عن أن يورد في أثناء كلام أو بين كلامين متصلين معنى بجملة أو أكثر لا محل لها من الإعراب . والمراد بالحكم في قوله : « بما هو علة الحكم » هو الحكم بأنهم لا يؤمنون ، والمراد بعلة الحكم عدم نفع الإنذار لهم لقساوة قلوبهم وشدة عنادهم فهو علة لعدم إيمانهم . قوله : ( والآية مما احتج به من جوّز تكليف ما لا يطاق ) ذهب جمهور المحققين إلى أن التكليف بالممتنع لذاته كالجمع بين الضدين وإعدام القديم غير جائز ، وذهب الأشعري إلى جوازه وعدم وقوعه . وأما التكليف بالممتنع لغيره كالمتنع لسبب انتفاء شرط وجوده كانتفاء آلة الكتابة وانتفاء المحل القابل لنقش الخط أو لسبب وجود مانع مع كونه ممكنا في نفسه فغير واقع عند الجمهور ، وذهب الأشعري إلى وقوعه . وأما التكليف بما علم اللّه تعالى أنه لا يقع أو خبر بذلك كبعض التكاليف المتعلقة بطاعة العصاة وإيمان الكفرة فإنه واقع إجماعا ، أما عند المعتزلة فلأنه مما يطاق عندهم بمعنى أن العبد قادر على القصد إليه باختياره فإن الطاقة والاستطاعة قبل الفعل عندهم ، وأما عند الشيخ الأشعري فلأنه مما لا يطاق لكون الاستطاعة مع الفعل عنده ومع ذلك هو مما كلف به كإيمان أبي جهل فإنه محال وممتنع بالغير لكنه مكلف به . ذكر في شرح المقاصد : أن القدرة المعتبرة في التكليف هي سلامة الأسباب والآلات لا الاستطاعة التي لا تكون إلا مع الفعل ولو اعتبرت هذه الاستطاعة لكان جميع التكاليف تكليفا بما لا يطاق وليس كذلك . واحتج من جوز تعلق التكليف بما لا يطاق بهذه الآية من وجهين : الأول أنه سبحانه وتعالى أخبر عنهم بأنهم لا يؤمنون مع أنه سبحانه وتعالى كلفهم بالإيمان فلو وقع إيمانهم لزم محالان : الأول أن يكون خبر اللّه تعالى أنهم لا يؤمنون خبرا كاذبا ، والثاني أن يكون علمه تعالى بذلك جهلا وكل واحد من الكذب والجهل محال على اللّه سبحانه وتعالى ، وما لزم من فرض وقوعه محال يكون محالا ، فصدور الإيمان منهم محال وقد كلفوا به وذلك التكليف تكليف بالمحال وبما لا يطاق فثبت مطلوب من جوز وقوعه . والثاني أنه تعالى كلفهم بالإيمان وهو تصديق النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في جميع ما علم مجيئه به ومن جملة ذلك قوله تعالى :لا يُؤْمِنُونَفتكليفهم بالإيمان تكليف لهم بأن يجمعوا بين النفي والإثبات ، ولا شك أن الجمع بين النقيضين محال . ولا يخفى أن هذا الدليل يدل على وقوع التكليف بما لا يطاق حيث قال : أمرهم