الذين بلغك أنهم المفلحون في الآخرة ، أو الإشارة إلى ما يعرفه كل واحد من حقيقة المفلحين وخصوصياتهم تنبيه تأمّل كيف نبّه سبحانه وتعالى على اختصاص المتقين بنيل ما لا يناله أحد من وجوه شتّى : بناء الكلام على اسم الإشارة للتعليل مع الإيجاز ، وتكريره وتعريف الخبر ، وتوسيط الفصل لإظهار قدرهم والترغيب في اقتفاء أثرهم ، وقد تشبّث به الوعيديّة في خلود الفسّاق من أهل القبلة في العذاب . وردّ بأنّ المراد بالمفلحين الكاملون في الفلاح ويلزمه عدم كمال الفلاح لمن ليس على صفتهم لا عدم الفلاح له رأسا .
شرح
التعريف فيه للعهد الخارجي أي بلغ المخاطب أن في العالم طائفة معلومة يقال لهم المتقون في الدنيا وطائفة أخرى يقال لهم المفلحون في الآخرة ، إلا أنه لا يعلم أن إحدى الطائفتين هل هي مغايرة بالذات للأخرى أو هي متحدة معها ؟ فإن كون كل واحد من المتقين والمفلحين معلوما للمخاطب لا يستلزم علمه بأن أحدهما هو الآخر واتحادهما بحسب الذات كما في « زيد أخوك » فجاز أن يعلم المخاطب أن في العالم طائفة المتقين في الدنيا وطائفة المفلحين في الآخرة ، ولا يعلم أن إحداهما هي الأخرى أو غيرها فيطلب الحكم على المتقين بأنهم هل هم الذين بلغنا أنهم المفلحون في الآخرة أو لا ؟ فيبين له أنهم هم المفلحون . ثم إن جعل لفظ « هم » فصلا يعتبر فيه قصر المسند على المسند إليه إفرادا دفعا لتوهم الشركة بأن يتوهم أن المعهودين بالفلاح في الآخرة يندرج فيهم غير المتقين أيضا ، وإن لم يجعل فصلا بل كان مبتدأ وما بعده خبره والجملة خبرأُولئِكَلم يعتبر القصر بل يكون الكلام مسوقا لمجرد الحكم على المتقين بأنهم المعهودون بالفلاح في الآخرة . والوجه الثاني أن تكون اللام في المفلحين لتعريف الجنس المسمى بتعريف الحقيقة ، ثم إن المشهور في مثله أن يراد بالمبتدأ ذات قصد حصر جنس الخبر فيه حقيقة بأن لا يوجد ذلك الجنس في غيره أصلا ، نحو « زيد الأمير » إذا انحصرت الإمارة فيه ولم يكن في البلد أمير سواه . أو قصد حصره فيه ادعاء بأن يكون المبتدأ أكمل أفراد ذلك الجنس بحيث لا يعتد بتحققه في غير ذلك الفرد نحو « زيد الشجاع » إذا كان زيد كاملا في الشجاعة بحيث صار كأنه ليس في الدنيا شجاع غيره . وقد لا يقصد بالخبر المعرف باللام مفهوم مغاير للمبتدأ بل يقصد به أن المبتدأ هو عين ذلك الجنس ومتحد به لا أنه مفهوم مغاير للمبتدأ منحصر فيه كما هو المشهور . وهذا معنى آخر للخبر المعرف باللام الجنسية غير الحصر ذكره الشيخ في دلائل الإعجاز واختاره صاحب الكشاف لكونه أبلغ من الحصر ، فالمعنى حينئذ : أولئك هم عين حقيقة المفلحين . فاللام لنفس الحقيقة من حيث هي وعبارة الكشاف هكذا . ومعنى التعريف في المفلحين الدلالة على أن المتقين هم الذين إن حصلت صفة المفلحين وتحققوا ما هم وتصوروا بصورتهم الحقيقية فهم هم لا يعدون تلك الحقيقة . قوله : ( تأمل كيف نبه ) « كيف »