وآخره ذكر اللّه تعالى . وقيل : إنه سرّ استأثر اللّه بعلمه . وقد روي عن الخلفاء الأربعة وعن غيرهم من الصحابة ما يقرب منه ، ولعلّهم أرادوا أنّها أسرار بين اللّه تعالى ورسوله
شرح
هذه الفواتح عليه تعالى . قوله : ( وقيل : إنه سرّ استأثر اللّه تعالى بعلمه ) ذلك . واستبد به قولهم : استأثر فلان بالشيء أي استبد به والاسم الإثرة بالتحريك . قوله : ( وقد روي عن الخلفاء الأربعة وعن غيرهم من الصحابة ما يقرب منه ) روي عن أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه أنه قال : في كل كتاب سر وسر اللّه تعالى في القرآن أوائل السور . وعن عثمان وابن مسعود رضي اللّه عنهما أنهما قالا : الحروف المقطعة من المكتوم الذي لا يفسر . وعن علي رضي اللّه عنه : في كل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف الهجاء . ولما كان أكثر أهل العلم على أن الراسخين في العلم يعلمون المتشابه ، ومنهم العلماء الشافعية ، فإنهم ممن ذهب إلى تأويل المتشابهات ولا يقف على قوله تعالى :وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ[ آل عمران : 7 ] قائلين إنه لو لم يكن للراسخين في العلم حظ من علم المتشابه إلا أن يقولوا :آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا[ آل عمران : 7 ] لم يكن لهم فضل على الجهال لأنهم جميعا يقولون ذلك . وقال فخر الإسلام : لا شيء من المتشابهات إلا والرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يعلمه بتعليم اللّه تعالى إياه ذلك . ومعنى قول الصحابة : « استأثر اللّه تعالى بعلمه » المتشابهات أي استقل واستفرد به أنه لا يعلمها أحد بنفسه إلا اللّه لا أنه لا يعلمها أحد من البشر أصلا لجواز أن يعلمها البعض ممن اصطفاه اللّه تعالى من خلقه بتعليمه وإلهامه إياه كما في الغيب ، فإنه تعالى قد خص بعلمه مع أن الأنبياء والأولياء يعلمونه بإلهامه تعالى وإن لم يعلموه بأنفسهم أوّل المصنف ما روي عن الخلفاء وغيرهم وصرفه عن ظاهره حيث قال : « ولعلهم أرادوا » الخ ثم بيّن السبب الذي حمل الذاهبين إلى تأويل المتشابهات على ذلك فقال : « إذ يبعد الخطاب بما لا يفيد » فينبغي أن يكون معنى قولهم إنها سر استأثر اللّه تعالى بعلمه أنها رموز لم يقصد بها إفهام غير الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لا أنها لا يعلمها أحد سوى اللّه تعالى فإن الخطاب بمثله بعيد فلا وجه لحمله كلامهم على معنى مستلزم لذلك الخطاب البعيد . ثم إن المصنف لما فرغ من بيان أن هذه الفواتح أسماء وأنها من قبيل المعربات وأن سكون أواخرها لعدم العامل ومن بيان وجوه وقوعها فواتح السور من المقبول والمزيف والمسكوت عنه أراد الآن أن يذكر حكمها في الإعراب فأورد ستة احتمالات : ثلاثة على تقدير اسميتها ، وثلاثة على تقدير إبقائها على معانيها الأصلية . والاحتمالات الثلاثة الأول على ما ذكره بقوله : « فإن جعلتها أسماء اللّه تعالى أو القرآن أو السور كان لها حظ من الإعراب » سواء كانت معربة لفظا وذلك فيما يتأتى فيه الإعراب من الأسماء المفردة كص وق ون ، أو الأسماء المتعددة التي مجموعها على زنة مفرد مثليسعلى وزن « قابيل » ، فمن قرأها بالفتح على أن يكون