مكان ، وإنّما يكون الإدراك من ذلك المدرك بآلة جسمانيّة [ 35 ر ] . وذلك المدرك مدرك للتّغييرات الحاضرة في زمانه ويحكم بوجودها . ويفوته « 1 » ما يكون في غير هذا الزّمان ويحكم بعدمه ويخبر عنه بكان وسيكون وليس هو الآن . ويدرك المتكثّرات الّتى ممكنة « 2 » أن يشير إليها بأنّها هنا أو هناك .
ومنها ما لا يكون كذلك . ويكون ذلك الإدراك ، إدراكا تامّا مبرّا عن التّعلّق « 3 » بالزّمان والمكان . ويكون المدرك بذلك الادراك محيطا بالكلّ ، عالما بأنّ « 4 » أىّ « 5 » حادث يوجد في أىّ زمان من الأزمنة وفي أىّ مكان من الأمكنة ، ولم يتفاوت بينه وبين سائر الحوادث المتقدّمة عليه والمتأخّرة عنه ، من المدّة والمسافة . ولا يحكم بالعدم على شئ من ذلك ، بل يحكم بأنّ كلّ موجود في زمان ، لا يوجد في غيره . كما أنّ « 6 » الأوّل يحكم بأنّ الماضي ليس بموجود الآن . وكذلك يعلم تعلّق كلّ شخص بجزء من المكان ، وبالتّفاوت الّذى بينه وبين غيره في الجهات ، على الوجه المطابق لما عليه الشئ موجود . أو لا يحكم بوجود شئ الآن ولا عدمه ؛ أو وجوده هناك ؛ أو عدمه ؛ أو غيبته ؛ أو حضوره . لأنّه ليس زمانىّ ولا مكانىّ ، بل نسبة جميع الأزمنة والأمكنة اليه نسبة واحدة . فعلمه بجميع الموجودات أتمّ العلوم وأكملها . وهذا معنى العلم بالجزئيات على [ 35 پ ] الوجه الكلىّ . ولا يمكن الادراك على هذا الوجه ، إلّا لمن يكون ذاته بريّة عن « 7 » الزّمان والمكان ويدرك لا بآلة ولا بتوسّط صورة . فلا يمكن ، حينئذ ، أن يكون شئ من الأشياء ، كلّيا كان أو جزئيا ، على أىّ وجه كان ، إلّا وهو عالم به .
. . . وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ
« 8 » .
وقوله تعالى :
حَكِيماً
، إشارة إلى إيجاد كلّ الموجودات ، على أحكم وجه وأتقنه ، وجذب كلّ ناقص منها من مبدئه « 9 » إلى كماله جذبا ملائما له . وفي المقام كلام فوق هذا ، أشرنا في رسائل أخرى .
المشرق السادس والعشرون : تفسير الآية الواحدة والثلاثون ، السعادة الحقيقية هي الوصول إلى الكمال الحقيقي
قوله تعالى :
يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً
( 31 ) .
يُدْخِلُ
، من أقضى القضاء الإلهى ، إشارة إلى طريق الحقّ ورشده بالوصول إلى الكمال
هامش
( 1 ) . د : يفوت .
( 2 ) . ش : يمكنه . پ
( 3 ) . د : المسمّى .
( 4 ) . ش ، ت : بأنّ .
( 5 ) . ش ، ت : بأىّ .
( 6 ) . ش ، ت : كان .
( 7 ) . د : من .
( 8 ) . انعام : 59وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها . . .( 9 ) . د : مبدائه .