وأمّا المرتبة الخامسة والسّادسة : وهما النّقصانان الحاصلان « 1 » عن نقصان غريزة العقل ، بحسب القوّتين أعنى : النّظرية و « 2 » العملية . فهي نفوس البله « 3 » والصّبيان الّذين غلبت عليهم سلامة الصّدر وقلّة الاهتمام . وهي النّفوس الساذجة « 4 » الّتى ليس لها شوق إلى كمالاتها « 5 » ، بسبب أنّها لم يعرفها أصلا . وهؤلاء غير معذّبين ، لأنّهم غير العارفين بكمالاتهم ولا مشتاقين إليها .
المشرق الرابع : تفسير الآية الخامسة ، أوصاف الأبرار
قوله تعالى :
إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً
( 5 ) .
أقول لمّا قدّم الوعيد ، شرع في بيان الوعد . ولنقدّم مقدمة في بيان درجات السّعداء . فنقول :
اعلم أنّ سعادات النّفوس البشريّة ليست على نوع واحد ، بل هي على مراتب متفاوتة بحسب تفاوت الوصولات . فإنّ فضل « 6 » النّوع [ 16 پ ] البشرىّ ، من أوفى الكمال ، من جنس القوّة النّظريّة ، حتّى استغنى عن التّعليم البشرىّ رأسا . وأوفى « 7 » مع ذلك نبات « 8 » قوّته المفكّرة واستقامة « 9 » وهمه ، منقادا تحت قلم العقل . فلا يلتفت إلى العالم المحسوس بما فيه من الأحوال . فيصير العالم وما يجرى فيه متمثّلا « 10 » في نفسه ومتنقّشة به ، ويكون بقوّته « 11 » النّفسانيّة أن يؤثّر في عالم الطبيعة ، حتّى ينتهى إلى درجة النّفوس السّماويّة . وتلك هي النّفوس القدسيّة وأولات « 12 » المعارج ، وأولئك
هامش
( 1 ) . د : - والسادسة وهما انقصانان الحاصلان د : + إلى مكان .
( 2 ) . د : - و .
( 3 ) . البله : جماعة من رجال أبله ورجل أبله ، هو الذي غلب عليه سلامة الصدر وحسن الظنّ بالناس لأنّهم أغفلوا أمر دنياهم فجهلوا حذق التصرّف فيها وأقبلوا على آخرتهم فشغلوا أنفسهم بها . وفي الحديث : أكثر أهل الجنّة البله .
البله : الغفلة عن الشرّ والبلهاء من النساء : الكريمة الغريرة المغفلة . لسان العرب ، 13 / 477 والعين ، 4 / 55 ومجمع البحرين ، 6 / 343 .
( 4 ) . ساذجة وساذجة : غير بالغة .
وحجة ساذجة : غير بليغة . لسان العرب ، 2 / 297 ومجمع البحرين ، 2 / 309 .
( 5 ) . الف : الكمال .
( 6 ) . د : وصل .
( 7 ) . ش : أفي .
( 8 ) . د : ثبات .
( 9 ) . الف : استعامة ؛ د : استفادة .
( 10 ) . د : محو شده است .
( 11 ) . ت : لقوته .
( 12 ) . د : أولو .