صلى اللّه عليه وسلم على طريق الغيبة إظهارا لكمال الغيرة والحمية الإلهية عن هذه الغفلة الغير المرضية ثم التفت إلى الخطاب لكمال التأديب فقال على سبيل التهويل
وَما يُدْرِيكَ
وأي شيء يكشف لك حاله وقلبه
لَعَلَّهُ يَزَّكَّى
يتزكى ويتطهر عن الآثام ويهتدى إلى طريق الإسلام بهدايتك وارشادك هذا الأعمى بخلاف أولئك الجهلة الغفلة الذين قد تحننت نحوهم وأحببت دعوتهم فإنهم لا يهتدون ولا يتطهرون
أَوْ يَذَّكَّرُ
اى يتعظ ويتذكر هذا المريد الفقير الضرير من كلامك
فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى
والعظة ويتوجه هو بسببها نحو المولى
أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى
عن اللّه واعرض عن آياته وعن تذكيرك ودعوتك إياه مستكبرا بماله وثروته وسيادته وكمال نخوته
فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى
يعنى تميل وتتعرض بالإقبال اليه وتتحنن بكمال المحبة نحوه
وَما عَلَيْكَ
وأي شيء عرض عليك ولحق بك من المكاره الامكانية حتى حجبك وأغفلك
أَلَّا يَزَّكَّى
اى انه لا يتطهر عن خبائث الآثام وادناس الكفر والعصيان ذلك المعرض المستغنى والمسرف المفسد المستعلى وما سبب اهتمامك حتى يبعثك على الاعراض عن أهل الحق وعدم الالتفات نحوهم مع أن ما عليك الا البلاغ والتبليغ لا الهدى فكيف تحننت نحو أعداء اللّه
وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ
من أرباب الطلب والإخلاص
يَسْعى
ويسرع بطلب الخير والهداية منك في دين اللّه
وَ
الحال انه
هُوَ يَخْشى
من غضب اللّه وهو يرجو من ثوابه مؤملا منك الإرشاد ومن اللّه الهداية والرشد
فَأَنْتَ
مع كونك مبعوثا على الهداية والإرشاد إلى أصحاب الإرادة والقبول
عَنْهُ تَلَهَّى
تتشاغل وتنصرف كأنك تحقره ولا تبالي بشأنه وإيمانه لرثاثة حاله وفقره . ثم بالغ سبحانه في تأديب حبيبه صلّى اللّه عليه وسلّم وأكده حيث قال
كَلَّا
ردع اى ارتدع عن فعلتك هذه أيها المبعوث للرسالة العامة ولا تمل إلى أصحاب الزيغ والضلال معرضا عن أرباب الهداية والكمال إذ ليس عليك التمييز والاختيار بل ما عليك الا التبليغ والإنذار
إِنَّها
اى عموم دعواتك وتذكيراتك إياهم بمقتضى الآيات البينات انما هي
تَذْكِرَةٌ
نازلة عليك من ربك وأنت مأمور بتبليغها إلى الناس من لدنه
فَمَنْ شاءَ
وأراد سبحانه اتعاظه من عباده
ذَكَرَهُ
بالقرآن ووعظه به سواء كان فقيرا أو غنيا ومن لم يشأ لم يتعظ وكيف لا يوعظ ولم يتعظ به مع أنه منزل من عند اللّه مثبت
فِي صُحُفٍ
نازلة على رسل اللّه
مُكَرَّمَةٍ
عنده سبحانه
مَرْفُوعَةٍ
مقبولة لديه درجة ومكانا ملقاة من عند اللّه إلى رسل اللّه
مُطَهَّرَةٍ
عن تخليطات الوهم والخيال منزهة عن تحريفات الشياطين إذ هي نازلة من عند اللّه إلى رسل اللّه
بِأَيْدِي سَفَرَةٍ
اى ملائكة يتوسلون سفراء بين اللّه ورسله
كِرامٍ
أعزة عند اللّه ذوى كرم وكرامة عظيمة على أهل الايمان
بَرَرَةٍ
أتقياء مبرورين في أنفسهم بارين على عباد اللّه ومع هذه الكرامة العظيمة الإلهية والإشفاق البليغ من لدنه سبحانه والرحمة العامة
قُتِلَ الْإِنْسانُ
اى لعن وطرد عن ساحة عز القبول
ما أَكْفَرَهُ
أي أىّ شيء حداه وبعثه إلى الكفر والاعراض عن اللّه المنعم المفضل والانصراف عن طاعته وعبادته مع أنه عالم بكمال كرامته سبحانه عليه معترف ببدائع صنعه وصنعته معه ووفور انعامه وإحسانه عليه متذكر في نفسه مستحضر بشئونه وتطوراته السالفة القذرة الخبيثة الواردة عليه سيما
مِنْ أَيِّ شَيْءٍ
مسترذل مستنزل
خَلَقَهُ
وأوجده سبحانه حسب قدرته
مِنْ نُطْفَةٍ
مهينة خبيثة
خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ
اى هيأ آلاته وأعضاءه منها فعدله وسوى هيكله كل ذلك ليعرف مبدأه ومعاده
ثُمَّ السَّبِيلَ
الموضح الموصل إلى ربه وموجده