التجليات الإلهية المنتشئة من النفسات الرحمانية
وَمَنْ يَتَوَلَّ
اى يعرض وينصرف عن مقتضى العدالة الإلهية بمتابعة الآراء الفاسدة والأهواء الباطلة
يُعَذِّبْهُ
بمقتضى قهره
عَذاباً أَلِيماً
في نيران الإمكان وأودية الخذلان لا عذاب أشد ايلاما منه . ثم قال سبحانه على سبيل التحريض والترغيب للمؤمنين مقسما واللّه
لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ
المخلصين في الإطاعة والانقياد وقت
إِذْ يُبايِعُونَكَ
يا أكمل الرسل
تَحْتَ الشَّجَرَةِ
يوم الحديبية بيعة الرضوان والشجرة هي السمرة أو السدرة
فَعَلِمَ
سبحانه بعلمه الحضوري
ما فِي قُلُوبِهِمْ
من الرغبة والإخلاص
فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ
اى الطمأنينة والوقار
عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ
بعد ما ايسوا عن فتح مكة ورجعوا من حديبية
فَتْحاً قَرِيباً
هو فتح خيبر بعيد رجوعهم منها
وَ
رزق لهم خاصة
مَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها
من خيبر بدل غنائم مكة
وَ
بالجملة قد
كانَ اللَّهُ
المراقب لأحوال عباده
عَزِيزاً
غالبا مقتدرا على عموم مقدوراته
حَكِيماً
مراعيا مقتضى الحكمة في جميع تدبيراته الجارية بين عباده ومن مقتضيات الحكمة البالغة الإلهية انه
وَعَدَكُمُ اللَّهُ
أيها المؤمنون المخلصون في إطاعة اللّه وتصديق رسوله
مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها
من أيدي الكفرة إلى قيام الساعة إذ يظهر دينكم على الأديان كلها
فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ
اى غنائم خيبر
وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ
اى أهل خيبر وأوليائهم وقد كفى كذلك سبحانه وكف مؤنة عموم من قصد السوء على أموالكم وذراريكم
وَ
انما فعل بكم سبحانه ذلك
لِتَكُونَ
هذه الكفة والغنيمة
آيَةً
علامة وامارة
لِلْمُؤْمِنِينَ
الذين يلونكم ويقتفون اثركم دالة على أن المؤمن المخلص في جوار اللّه وفي كنف حفظه وحضانته
وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً
هو الثقة باللّه وبكرامته ونصره لأوليائه
وَ
كذا قد عجل لكم عناية من اللّه إياكم مغانم
أُخْرى
مع أنكم
لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها
لشوكة الأعداء وغلبتهم وكثرة عددهم وعددهم بل قد فررتم أنتم منهم مرارا وانهزمتم عنهم تكرارا
قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها
وأباحها عليكم بالنصر والغلبة عليهم مع أنكم خائفون وجلون منهم وهي غنائم هوازن وفارس
وَ
بالجملة قد
كانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ
دخل في حيطة علمه وارادته
قَدِيراً
لا يعجز عنه ولا يفتردونه إذ القدرة من أمهات الأوصاف الذاتية الإلهية التي لا تفتر ولا تضعف بحال
وَ
من كمال قدرته سبحانه ونصره لأوليائه انه
لَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا
وقابلوا اليوم معكم للقتال مع أنكم قد فررتم منهم وجبنتم عنهم مرارا فيما مضى
لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ
عنكم البتة بنصر اللّه إياكم
ثُمَّ
بعد ما ولوا عنكم
لا يَجِدُونَ وَلِيًّا
يتولى أمورهم
وَلا نَصِيراً
ينصرهم وينقذهم من أيديكم ولا تستبعد يا أكمل الرسل من قدرة اللّه أمثال هذا لكونها
سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ
اى مضت واستمرت
مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ
أنت ابدا
لِسُنَّةِ اللَّهِ
التي قد جرت منه سبحانه بمقتضى حكمته
تَبْدِيلًا
ولا لحكمه الصادر منه سبحانه بالإرادة والاختيار تغييرا وتحويلا
وَ
كيف يبدل سنة اللّه ويغير حكمه وحكمته مع أنه
هُوَ
القادر القاهر المقتدر
الَّذِي كَفَّ
ومنع
أَيْدِيَهُمْ
اى أيدي كفار مكة خذلهم اللّه
عَنْكُمْ
حين استيلائهم عليكم
وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ
حين غلبتم عليهم
بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ
وأظهركم
عَلَيْهِمْ
وذلك ان عكرمة بن أبي جهل خرج مع خمسمائة إلى الحديبية فبعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خالد بن الوليد على جند فهزمهم حتى أدخلهم حيطان مكة ثم عاد
وَ
بالجملة قد
كانَ اللَّهُ
العليم الحكيم
بِما تَعْمَلُونَ
من خير وشر
بَصِيراً