حينا كثيرا قال ابن عباس رضى اللّه عنهما شجرتان معروفتان يقال لأحدهما المرخ وللآخر العفار فمن أراد منهما النار قطع منهما غصنتين مثل السواكين وهما خضراوان يقطر منهما ماء فيسحق المرخ على العفار فيخرج منهما النار باذن اللّه تعالى ولهذا قال الحكماء لكل شجر نار الا العناب . ثم أشار سبحانه أيضا إلى كمال قدرته واختياره فقال
أَ
ينكر المنكرون قدرتنا على البعث وحشر الموتى
وَلَيْسَ
القادر المقتدر
الَّذِي خَلَقَ
أوجد واظهر
السَّماواتِ
اى العلويات وما فيها
وَالْأَرْضَ
اى السفليات وما عليها
بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ
ويعيدهم احياء كما كانوا
بَلى
من قدر على خلق السماوات العلى والأرضين السفلى قادر على بعث الموتى وحشرهم في النشأة الأخرى بالطريق الأولى
وَ
كيف لا
هُوَ الْخَلَّاقُ
المبالغ في تكثير الخلق والإيجاد ابداعا وإبداء وإعادة
الْعَلِيمُ
بعموم المعلومات والمقدورات أزلا وابدا على التفصيل بحيث لا يخرج عن حيطة حضوره ذرة من ذرائر ما كان ويكون بل الكل عنده ممتاز محفوظ وبالجملة لا تستبعدوا أيها الجاهلون باللّه وبعلمه وقدرته وسائر أوصافه الكاملة وأسمائه العامة الشاملة أمثال هذا بل بالنسبة اليه سبحانه سهل يسير وكيف لا يسهل عليه سبحانه أمثال هذا
إِنَّما أَمْرُهُ
وشأنه انه
إِذا أَرادَ شَيْئاً
اى تعلق ارادته بتكوين شيء من معلوماته ومقدوراته
أَنْ يَقُولَ لَهُ
بعد ما تعلق عليه ارادته
كُنْ
المؤدى لأمره وحكمه
فَيَكُونُ
المأمور المحكوم على الفور بلا تراخ ومهلة والتعقيب انما ينشأ من العبارة والا فلا تأخير ولا تعقيب في سرعة نفوذ قضائه سبحانه وبالجملة إياك إياك ومحتملات الألفاظ ومنطوقات العبارات فإنها بمعزل عن ادراك كيفية امر اللّه وشأن حكمه ومضاء قضائه على وجهه ومتى سمعت ما سمعت من كمال قدرة اللّه ومتانة حكمه وحيطة علمه وقدرته وشمول ارادته واستقلال اختياره
فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ
وله التصرف بالاستحقاق والاستقلال في ملكه وملكوته يعنى تنزه وتقدس ذات من في يده وقبضة قدرته مقاليد الملك ومفاتيح الملكوت من أن يعجز عن إعادة الأموات احياء سيما بعد ما ابدأهم من العدم كذلك ولم يكونوا حينئذ شيأ مذكورا تعالى شأنه عما يقول الظالمون في حقه علوا كبيرا
وَ
كيف لا يقدر سبحانه على البعث والأحياء إذ
إِلَيْهِ
لا إلى غيره إذ لا غير معه في الوجود ولا اله سواه موجود مشهود
تُرْجَعُونَ
رجوع الأمواج إلى الماء والأضواء إلى الذكاء سبحان من لا يجرى في ملكه الا ما يشاء
خاتمة سورة يس
عليك أيها السالك المتدبر المتأمل في كيفية رجوع الكائنات إلى الوحدة الذاتية وارتباط عموم المظاهر والمصنوعات إلى المبدأ الحقيقي والمنشأ الأصلي أزال اللّه عن بصر بصيرتك سبل الحول وأعانك على رفع الحجب وكشف العلل ان تصفى باطنك عن الميل إلى الغير والسوى مطلقا بحيث يصير باطنك مملوا بمحبة اللّه فتترسخ تلك المحبة فيه وتتمرن إلى أن قد خفى عليك جميع خواطرك وهواجس نفسك سواها ثم تسرى من باطنك إلى ظاهرك فتشغلك عن عموم مشتهياتك ومستلذاتك ومقتضيات جوارحك وقواك وبالجملة يمتلئ بها ظاهرك وباطنك فحينئذ لم يبق لك التفات إلى الغير مطلقا فصرت حيرانا مدهوشا مستغرقا بمطالعة وجه اللّه الكريم وبعد ما صرت كذلك قد جذبك الحق عنك نفسك وستر عليك رمسك إلى أن قد غبت فيه وفنيت