في عموم أحوالك من امتثال الأوامر واجتناب النواهي وتهذيب الأخلاق والأطوار إذ هو صلّى اللّه عليه وسلّم زبدة أرباب التوحيد الواصلين بمقعد الصدق ومقام التفريد . والسابقون واللاحقون كلهم مقتبسون من مشكاة أنواره ومصابيح اسراره صلّى اللّه عليه وسلّم فعليك أيها المستفيد المسترشد من الكلام المجيد ان تضبط عموم أحوالك على الاستقامة والاعتدال وتجتنب عن كلا طرفي الإفراط والتفريط وتستعيذ باللّه عن مداخلة الرياء والسمعة المنافيين للإخلاص واعلم أن خير قرينك في طريقك هذا الرضا والتسليم والتوكل والتفويض إلى العزيز العليم ولك اختيار العزلة والفرار عن الخلطة والاجتناب عن الانخراط في سلك أهل الثروة وأصحاب الغفلة ودوام القناعة بالكفاف والعزوبة بالعفاف سيما في زمانك هذا وإياك إياك ان تفرق همك وتشغل خاطرك في أمور دنياك ولو لحظة حتى لا تورثك هما كثيرا وحزنا طويلا إذ المسافر في منزله لا يتصرف الا بمقدار مقيله اما تسمع قول النبي الأديب الأريب . كن في الدنيا كأنك غريب . واشدد حيازيمك للموت والرحيل .
كأنك عابر سبيل . وبالجملة لا تغتر بحياتك في دار الغرور . وعدّ نفسك من أصحاب القبور . فهذا دأب أهل السرور . وديدنة أرباب الحضور . جعلنا اللّه من خدامهم وتراب اقدامهم
[ سورة يوسف عليه السّلام ]
فاتحة سورة يوسف عليه السّلام
لا يخفى على من تأمل في صور الرؤيا وتدبر في كيفية ظهورها وانمحائها سريعا وترتب الآثار الغريبة على تعبيراتها ان الوجود الخيالي الطف الموجودات وأرقها وأصفاها عن كدر الهيولى وأشبهها بالتجليات الإلهية المتجددة المتشعشعة دائما الا ان الآثار الغيبية التي هي منتزعة عنها مأخوذة منها ستوجد البتة لذلك وجب العبور عنها والتعبير لها ولهذا صار الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزء من أجزاء النبوة الا ان المطلعين عليها والمتأملين فيها لا يكونون الا ممن خصه اللّه بالنفوس القدسية والمرتبة الحدسية المتفرعة على التمرن والرسوخ في كشف سرسريان الوحدة الذاتية المتجلية على ذرائر المكونات وكذا في كيفية رقائق المناسبات والارتباطات الواقعة بين أجزاء المظاهر وجزئياتها والمتصف المتحقق بهذه المرتبة العلية في غاية الندرة إذ بواسطة ذلك الاتصاف قد صارت كمالاتهم اللائقة لنشأتهم كلها بالفعل وصاروا بذلك مستحقين للخلافة والنيابة الإلهية ومنهم يوسف الصديق صلوات اللّه عليه وسلامه قد أحاط بمقتضيات حضرة الخيال إلى حيث لم يشذ عن تعبيره صورة من صور الرؤيا كما اخبر عنه الحق سبحانه في هذه السورة ويفصح عنه التواريخ والآثار المروية عن النبي المختار صلّى اللّه عليه وسلّم ثم لما أراد سبحانه ان يشير إلى مرتبته صلّى اللّه عليه وسلّم وينبه على حبيبه صلّى اللّه عليه وسلّم بعلو شأنه وسمو رتبته ذكر قصته في كتابه تتميما لسعة دائرة كمال حبيبه صلى اللّه عليه وسلّم والمقتفين اثره صلّى اللّه عليه وسلّم من خلص أولياء اللّه لينال كل منهم إلى ما قدر اللّه لهم من لطفه وحظوظ المراتب العلية فقال متيمنا باسمه الكريم
بِسْمِ اللَّهِ
المتجلى بكمالاته على حضرة الخيال
الرَّحْمنِ
لعباده بالعبور عنها إلى صور الهياكل العينية والتمثال
الرَّحِيمِ
لهم أوصلهم إلى كيفية ظهوره بالتفصيل والإجمال
[ الآيات ]
الر
أيها الإنسان الأكمل اللائق الرشيد لرفع لواء سرائر الربوبية ورموز التوحيد وتمييز أجل لباب الرؤيا والروايات الواردة البينة عن قشورها
تِلْكَ
العبر والأمثال والقصص والآثار المذكورة لك فيما يتلى عليك يا أكمل الرسل لتأييدك وارتفاع شأنك
آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ
الذي هو عبارة عن حضرة علمنا المحيط المشتمل