تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بصائر ذوى التمييز في لطائف الكتاب العزيز — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
ولا ترى لك حقّا ؛ يشير إلى أن قلب الفتوّة وإنسان عينها أن تغيب بشهادة نقصك وعيبك عن فضلك ، وتغيب بشهادة حقوق الخلق عليك عن شهادة حقوقك عليهم ، والنّاس في هذا على مراتب ، فأشرفهم أهل هذه المرتبة ، وأخسّهم عكسهم . وأوّل الفتوّة ترك الخصومة باللسان / والقلب في حقّ نفسه لا في حقّ ربّه ، والتغافل عن الزلّات الّتى لم يوجب الشرع أخذه بها ، ونسيان أذيّة من نالك بأذى ليصفو قلبك له ، ونسيانك إحسانك إلى من أحسنت إليه حتّى كأنّه لم يصدر منك إحسان . وهذا أكمل ممّا قبله ، وفيه يقول :
ينسى صنائعه واللّه يظهرها * إنّ الجميل إذا أخفيته ظهرا
وثانيها : أن تقرّب من يبعدك ، وتعتذر إلى من يجنى عليك ، سماحة لا كظما ، وتحسن إلى من أساء إليك وتعتذر إليه أيضا . ومعنى هذا أنّك تنزل نفسك منزلة الجاني والمسىء ، وكلّ منهما خليق بالعذر . والذي يشهدك هذا المشهد أن تعلم أنه إنّما سلّط عليك بذنب صدر منك ، كما قال تعالى :
( وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ )
« 1 » ، فإذا علمت أنك بدأت بالجناية وانتقم اللّه منك على يده كنت في الحقيقة أولى بالاعتذار . وقال بعض أهل الخصوص : من طلب نور الحقيقة على قدم الاستدلال لم تحلّ له دعوة الفتوّة أبدا ، كأنه يقول : إذا لم تحوج يا فتى عدوّك إلى العذر والشفاعة ، ولم
هامش
( 1 ) الآية 30 سورة الشورى