تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بصائر ذوى التمييز في لطائف الكتاب العزيز — صفحة 24

مساهمون:

ص٢٤
وقال بعض مشايخنا : الذّوق : مباشرة الحاسّة الظّاهرة أو الباطنة ، ولا يختصّ ذلك بحاسة الفم في لغة القرآن ، بل ولا في لغة العرب ، قال :
( وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ )
« 1 » ، وقال تعالى :
( هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ
« 2 » ، وقال :
( فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ )
« 3 » ، فتأمّل كيف جمع الذّوق واللّباس حتّى يدلّ على مباشرة الذوق وإحاطته وشموله ، فأفاد الإخبار عن إذاقته أنّه واقع مباشر غير منتظر ؛ فإنّ الخوف قد يتوقّع ولا يباشر ، وأفاد الإخبار عن لباسه أنّه محيط شامل كاللّباس للبدن . وفي الصحيح عن النّبى صلّى اللّه عليه وسلّم : « ذاق طعم الإيمان من رضى باللّه ربّا وبالإسلام دينا وبمحمّد رسولا « 4 » » فأخبر أنّ للإيمان طعما ، وأنّ القلب يذوقه كما يذوق الفم طعم الطّعام والشّراب . وقد عبّر النّبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم عن إدراك حقيقة الإيمان والإحسان وحصوله للقلب ومباشرته له بالذّوق تارة ، وبالطعام والشراب تارة ، وبوجدان الحلاوة تارة ، كما قال : ذاق طعم الإيمان . . . « الحديث » ، وقال : « ثلاث من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان « 5 » » . والذّوق عند العارفين : منزل من منازل السّالكين أثبت وأرسخ من منزلة الوجد عندهم . وسيأتي الكلام فيه في فنّ علم التصوّف إن شاء اللّه .
هامش
( 1 ) الآية 50 سورة الأنفال ( 2 ) الآية 57 سورة ص ( 3 ) الآية 112 سورة النحل ( 4 ) ورد في الجامع الصغير عن المسند وعن مسلم ( 5 ) جاء في الجامع الصغير عن الشيخين وغيرهما