تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤
والباقون : بالتخفيف ، من القدرة ، ويدل عليه
فَنِعْمَ الْقادِرُونَ .
ويجوز أن يكون المعنى على القراءة الأولى : فنعم القادرون على تقديره ، وإن جعلت « القادرون » بمعنى « المقدرون » كان جمعا بين اللّفظين ، ومعناهما واحد ، ومنه قوله تعالى :
فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً
[ الطارق : 17 ] ؛ وقول الأعشى : [ البسيط ]
5057 - وأنكرتني وقد كان الّذي نكرت * من الحوادث إلّا الشّيب والصّلعا « 1 »
وقال الكسائي والفراء : هما لغتان بمعنى . قال القتيبي : « قدرنا » بمعنى « قدّرنا » مشددة ، كما تقول : قدرت كذا وقدرته ومنه قوله صلى اللّه عليه وسلم في الهلال : « إذا غمّ عليكم فاقدروا له » أي : قدروا له المسير والمنازل . وقال محمد بن الجهم عن الفرّاء : أنه ذكر تشديدها عن علي - رضي اللّه عنه - وتخفيفها . قال : ولا يبعد أن يكون المعنى في التشديد والتخفيف واحدا ، لأن العرب تقول : قدر عليه الموت وقدر ، قال تعالى :
نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ
[ الواقعة : 6 ] قرىء بالتخفيف والتشديد ، وقدر عليه رزقه وقدر ، واحتج الذين خففوا فقالوا : لو كانت كذلك لكانت « فنعم المقدّرون » . قال الفراء : والعرب تجمع بين اللّغتين ، واستدل بقوله :
فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ
الآية ، [ الطارق : 17 ] وذكر بيت الأعشى المتقدم . وقيل : المعنى قدّرنا قصيرا وطويلا ، ونحوه عن ابن عبّاس : قدرنا ملكنا . قال المهدوي : وهذا التفسير أشبه بقراءة التخفيف . قوله تعالى :

ش [ سورة المرسلات ( 77 ) : الآيات 25 إلى 28 ]

أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً ( 25 ) أَحْياءً وَأَمْواتاً ( 26 ) وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً ( 27 ) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 28 ) قوله تعالى :
أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً
هذا هو النوع الرّابع من تخويف الكفّار ؛ لأنه - تعالى - ذكرهم في الآية المتقدمة بالنعم التي في الأنفس لأنها كالأصل للنعم التي في الآفاق ، ثم قال في آخرها :
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ؛
لأن النعم كلما كانت أكثر كانت الخيانة أقبح وكان استحقاق الذم أشد ، وذكر في هذه الآية النعم التي في الأنفس ؛ لأنها كالأصل للنعم التي في الآفاق ، قالوا : فإنه لولا الحياة والسمع والبصر والأعضاء السليمة لما كان
هامش
( 1 ) ينظر ديوان الأعشى ص 105 ، والمحتسب 2 / 298 ، والخصائص 3 / 310 ، ومعاني القرآن للفراء 3 / 224 ، ومجاز القرآن 1 / 293 ، والأمالي لأبي علي القالي 3 / 221 ، وإعراب القرآن 5 / 117 ، والطبري 29 / 145 ، ومجمع البيان 10 / 631 ، واللسان نكر ، والدر المصون 6 / 456 .