تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 73

مساهمون:

ص٧٣
والإماتة بالعذاب فإن كان مطلق الإماتة لم يكن ذلك تخويفا للكفار ؛ لأن ذلك معلوم حاصل للمؤمن والكافر ، فلا يكون تخويفا للكفار ، وإن كانت الإماتة بالعذاب فقوله تعالى :
ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ
كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ
يقتضي أن يكون فعل بكفّار قريش مثل هذا ، ومعلوم أن ذلك لم يوجد ، وأيضا فقد قال تعالى :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ
[ الأنفال : 33 ] . فالجواب : قال ابن الخطيب « 1 » : لم لا يجوز أن يكون المراد من الإهلاك معنى ثالث ، وهو الإماتة المستعقبة للذّم واللّعن ، فكأنه قيل : أولئك المتقدمون لحرصهم على الدنيا عادوا الأنبياء وخاصموهم ، ثم ماتوا ففاتتهم الدنيا ، وبقي اللّعن عليهم في الدنيا والعقوبة في الآخرة دائما سرمدا ، فهكذا يكون حال الكفار الموجودين ، وهذا من أعظم وجوه الزجر . قوله تعالى :

ش [ سورة المرسلات ( 77 ) : الآيات 20 إلى 24 ]

أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ( 20 ) فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ ( 21 ) إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ ( 22 ) فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ ( 23 ) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 24 ) قوله :
أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ .
أي : ضعيف حقير وهو النّطفة ، وهذا نوع آخر من تخويف الكفار ، وهو من وجهين : الأول : أنه - تعالى - ذكرهم عظيم إنعامه عليهم ، وكلما كانت نعمه عليهم أكثر كانت جنايتهم في حقه أقبح وأفحش ، فيكون العقاب أعظم ، فلهذا قال جل ذكره عقيب هذه الأنعام :
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ .
والثاني : أنه تعالى ذكرهم كونه تعالى قادرا على الابتداء ، والظاهر في العقل أن القادر على الابتداء قادر على الإعادة ، فلما أنكروا هذه الدلالة الظاهرة ، لا جرم قال في حقهم :
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ،
وهذه الآية نظير قوله تعالى :
ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ
[ السجدة : 8 ] .
فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ ،
أي : مكان حريز وهو الرّحم .
إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ ،
قال مجاهد : إلى أن نصوره ، وقيل : إلى وقت الولادة ، كقوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ
إلى قوله :
وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ
[ لقمان : 34 ] . قوله تعالى :
فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ ،
قرأ نافع « 2 » والكسائي : بالتشديد من التقدير ، وهو موافق لقوله تعالى :
مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ
[ عبس : 4 ] .
هامش
( 1 ) ينظر : الفخر الرازي 30 / 240 . ( 2 ) ينظر : السبعة 666 ، والحجة 6 / 365 ، وإعراب القراءات 2 / 428 ، وحجة القراءات 743 .