تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
يصيح الديك ، أو ما يصيح ، لم يجز . قال شهاب الدين « 1 » : قد تقدم الكلام في ذلك مرارا . وقرأ نافع والكوفيون : « تشاءون » خطابا لسائر الخلق ، أو على الالتفات من الغيبة في قوله تعالى :
نَحْنُ خَلَقْناهُمْ ،
والباقون « 2 » : بالغيبة جريا على قوله : « خلقناهم » وما بعده . قوله :
وَما تَشاؤُنَ
أي الطاعة والاستقامة ، واتخاذ السبيل إلى اللّه
إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
فأخبر أن الأمر إليه سبحانه ، وليس لهم ، وأنه لا ينفذ مشيئة أحد ، ولا تقدّم إلا تقدّم مشيئة اللّه تعالى ، قيل : إن الآية الأولى منسوخة بالثانية . قال القرطبي « 3 » : والأشبه أنه ليس بنسخ ، بل هو تبيين أن ذلك لا يكون إلا بمشيئته . قال الفراء :
« وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ »
جواب لقوله تعالى :
فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا
ثم أخبرهم أن الأمر ليس إليهم ، فقال : « وما تشاءون » ذلك السبيل
« إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ »
لكم ،
إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً
بأعمالكم « حكيما » في أمره ونهيه لكم . قوله تعالى :
يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ .
أي : يدخله الجنة راحما له . قال ابن الخطيب « 4 » : إن فسرنا الرحمة بالإيمان فالآية صريحة في أن الإيمان من اللّه تعالى وإن فسرناها بالجنة كان دخول الجنة بسبب مشيئة اللّه تعالى وفضله ، وإحسانه لا بسبب الاستحقاق ؛ لأنه لو ثبت الاستحقاق لكان تركه يفضي إلى الجهل أو الحاجة ، وهما محالان على اللّه تعالى ، والمفضي إلى المحال محال ، فتركه محال ، فوجوده واجب عقلا ، وعدمه ممتنع عقلا ، وما كان كذلك لا يكون معلقا على المشيئة البتة . قوله :
وَالظَّالِمِينَ ،
أي : ويعذّب الظالمين ، وهو منصوب على الاشتغال بفعل يفسره « أعدّ لهم » من حيث المعنى لا من حيث اللفظ ، تقديره : وعذب الظالمين ، ونحوه : « زيدا مررت به » أي : جاوزت ولابست . وكان النصب هنا مختارا لعطف جملة الاشتغال على جملة فعلية قبلها ، وهو قوله « يدخل » . قال الزجاج : نصب « الظّالمين » لأن قبله منصوبا ، أي : يدخل من يشاء في رحمته ويعذب الظالمين ، أي : المشركين ، ويكون « أعدّ لهم » تفسيرا لهذا المضمر ؛ قال الشاعر : [ المنسرح ]
5053 - أصبحت لا أحمل السّلاح ولا * أملك رأس البعير إن نفرا
هامش
( 1 ) الدر المصون 6 / 452 . ( 2 ) ينظر : السبعة 665 ، والحجة 6 / 367 ، وإعراب القراءات 2 / 424 - 425 ، وحجة القراءات 741 . ( 3 ) ينظر : الجامع لأحكام القرآن 19 / 99 . ( 4 ) الفخر الرازي : 30 / 232 .