تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥
اللّه وإيجاده ، وهذا مما يوجب عليهم الانقياد للّه - تعالى - وترك التمرّد . وأما الترهيب فإنه قادر على أن يميتهم وأن يسلب النعم عنهم ، وأن يلقي بهم في كل محنة وبلية ، فلأجل الخوف من فوت هذه اللذات العاجلة يجب عليهم الانقياد للّه - تعالى - وترك التمرّد ، فكأنه قيل : هب أن حبكم لهذه اللذات العاجلة طريقة حسنة إلا أن ذلك يوجب عليكم الإيمان باللّه - تعالى - والانقياد له ، فلم توسلتم به إلى الكفر باللّه - تعالى - والإعراض عن حكمه . قوله تعالى :
وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلًا .
قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : لو نشاء لأهلكناهم وجئنا بأطوع للّه منهم « 1 » . وقال ابن الخطيب « 2 » : معناه : إذا شئنا أهلكناهم ، وأتينا بأشباههم ، فجعلناهم بدلا منهم كقوله تعالى :
عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ
[ الواقعة : 61 ] ، والغرض منه : بيان الاستغناء التام عنهم ، كأنه قيل : لا حاجة بنا إلى أحد من المخلوقين البتة ، وبتقدير إن ثبتت الحاجة ، فلا حاجة بنا إلى هؤلاء الأقوام ؛ فإنا قادرون على إبدالهم وإيجاد أمثالهم ، ونظيره قوله تعالى :
إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ
[ إبراهيم : 19 ] ،
إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ
[ النساء : 133 ] . وروى الضحاك عن ابن عباس - رضي اللّه عنهم - معناه : لغيرنا محاسنهم إلى أقبح الصور « 3 » . وقيل : أمثالهم في الكفر .

فصل في نظم الآية

قال الزمخشري في قوله تعالى :
وَإِذا شِئْنا :
وحقه أن يجيء ب « إن » لا ب « إذا » ، كقوله تعالى :
وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ
[ محمد : 38 ] ،
إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ
يعني : أنّ « إذا » للمحقّق ، و « إن » للمحتمل ، وهو تعالى لم يشأ ذلك ، وجوابه أن « إذا » قد تقع موقع « إن » كالعكس . قال ابن الخطيب « 4 » : فكأنه طعن في لفظ القرآن وهو ضعيف ، لأن كل واحد من « إن » و « إذا » حرف شرط ، إلا أن حرف « إن » لا يستعمل فيما هو معلوم الوقوع ، فلا يقال : إن طلعت الشمس أكرمتك . أما حرف « إذا » فإنه يستعمل فيما يكون معلوم الوقوع تقول ابتداء : إذا طلعت الشمس - فهاهنا - لما كان اللّه تعالى عالما أنه سيجيء وقت يبدل اللّه تعالى فيه أولئك الكفرة بأمثالهم في الخلقة وأضدادهم في الطاعة لا جرم حسن استعمال حرف « إذا » .
هامش
( 1 ) ذكره القرطبي في « تفسيره » ( 19 / 99 ) . ( 2 ) ينظر : الفخر الرازي 30 / 230 . ( 3 ) ينظر تفسير القرطبي ( 19 / 99 ) . ( 4 ) ينظر الفخر الرازي 30 / 230 .