الأول : إذا كان فعل العبد خلقا للّه - تعالى - فكيف يعقل أن يكون فعل اللّه - تعالى - جزاء على فعل اللّه ؟ .
والجواب : أن الجزاء هو الكافي وذلك لا ينافي كونه فعلا للّه .
السؤال الثاني : كون سعي العبد مشكورا يقتضي كون اللّه شاكرا له ؟ .
والجواب : كون اللّه - تعالى - شاكرا للعبد محال إلا على وجه المجاز ، وهو من ثلاثة أوجه :
الأول : قال القاضي : إن الثواب مقابل لعملهم كما أن الشكر مقابل للنعم .
والثاني : قال القفال : إنه مشهور في كلام الناس أن يقولوا للراضي بالقليل والمثنى به أنه مشكور ، فيحتمل أن يكون شكر اللّه لعباده ، وهو رضاه عنهم بالقليل من الطاعات وإعطائه إياهم عليها ثوابا كبيرا .
الثالث : أن منتهى درجة العبد أن يكون راضيا من ربه مرضيّا لربه ، كما قال تعالى :
يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً
[ الفجر : 27 - 28 ] ، وكونها راضية من ربه أقلّ درجة من كونها مرضية لربه ، فقوله تعالى :
إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً
إشارة إلى الأمر الذي تصير به النفس راضية مرضية ، وقوله :
وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً
إشارة إلى كونها مرضية لربها لما كانت هذه الحالة أعلى المقامات وآخر الدرجات لا جرم وقع الختم عليها في ذكر مراتب أحوال الأبرار والصديقين .
قوله تعالى :
ش [ سورة الإنسان ( 76 ) : الآيات 23 إلى 26 ]
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً ( 23 ) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً ( 24 ) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ( 25 ) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً ( 26 )
قوله :
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا .
يجوز أن يكون توكيدا لاسم « إن » وأن يكون فصلا و « نزّلنا » على هذين الوجهين هو خبر « إن » ، ويجوز أن يكون « نحن » مبتدأ ، و « نزّلنا » خبره والجملة خبر « إنّ » .
وقال مكي : « نحن » في موضع نصب على الصّفة لاسم « إن » لأن المضمر يوصف بالمضمر ؛ إذ هو بمعنى التأكيد لا بمعنى الغلبة ، ولا يوصف بالمظهر ؛ لأنه بمعنى التّحلية والمضمر مستغن عن التحلية ، لأنه لم يضمر إلا بعد أن عرف تحليته وعينه ، وهو محتاج إلى التأكيد لتأكيد الخبر عنه .
قال شهاب الدين « 1 » : وهذه عبارة غريبة جدّا ، كيف يجعل المضمر موصوفا بمثله ،
هامش
( 1 ) الدر المصون 6 / 450 .