تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 411

مساهمون:

ص٤١١
فما يجعلك كاذبا بسبب الدين ، وإنكاره ، وقد خلقك في أحسن تقويم ، وأنه يردك إلى أرذل العمر ، وينقلك من حال إلى حال فما الذي يحملك بعد هذا الدليل إلىّ أن تكون كاذبا بسبب الجزاء [ لأن كل مكذب بالحق ، فهو كاذب فأي شيء يضطرك إلى أن تكون كاذبا يعني : أنك تكذب إذا كذبت بالجزاء ؛ لأن كل مكذّب كاذب بسبب الجزاء ] ، والباء مثلها في قوله :
عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ
[ النحل : 100 ] . وقيل : المخاطب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعلى هذا يكون المعنى : فماذا الذي يكذبك فيما تخبر به من الجزاء والبعث وهو الدين ، بعد هذه العبر التي يوجب النظر فيها صحة ما قلت ، قاله الفرّاء والأخفش . قوله تعالى :
أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ
أي : أتقن الحاكمين صنعا في كل ما خلق ، وإذا ثبتت القدرة ، والحكمة بهذه الدلالة صح القول بإمكان الحشر ، ووقوعه ، أمّا الإمكان فبالنظر إلى القدرة ، وأما الوقوع فبالنظر إلى الحكمة لأن عدم ذلك يقدح في الحكمة كما قال تعالى :
وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا
[ ص : 27 ] . وقيل : أحكم الحاكمين : قضاء بالحق ، وعدلا بين الخلق ، وألف الاستفهام إذا دخلت على النفي في الكلام صار إيجابا ، كقوله : [ الوافر ]
5252 - ألستم خير من ركب المطايا * . . . . . . . « 1 »
[ قيل : هذه الآية منسوخة بآية السيف . وقيل : هي ثابتة لأنه لا تنافي بينهما ] « 2 » . وكان ابن عباس وعلي بن أبي طالب - رضي اللّه عنهما - إذا قرءا :
أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ ،
قالا : بلى ، وإنّا على ذلك من الشاهدين « 3 » . قال القاضي : هذه الآية من أقوى الدلائل على أنه تعالى لا يفعل القبيح ، ولا يخلق أفعال العباد مع ما فيها من السفه والظلم ، لأنه تعالى أحكم الحاكمين ، فلا يفعل فعل « 4 » السفهاء . وأجيب : بالمعارضة بالعلم ، والداعي ، ثم نقول : السّفيه من قامت السفاهة به ، لا من خلق السفاهة ، كما أن المتحرك من قامت الحركة به لا من خلقها . واللّه أعلم .
هامش
( 1 ) تقدم . ( 2 ) سقط من : ب . ( 3 ) ينظر تفسير القرطبي ( 20 / 79 ) . ( 4 ) في أ : أفعال .