تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 345

مساهمون:

ص٣٤٥
وقال مقاتل : نزلت في الحارث بن عامر بن نوفل ، أذنب ، فاستفتى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فأمره أن يكفر ، فقال : لقد ذهب مالي في الكفّارات ، والنفقات ، منذ دخلت في دين محمد . وهذا القول منه ، يحتمل أن يكون استطالة بما أنفق ، فيكون طغيانا منه ، أو أسفا منه ، فيكون ندما منه « 1 » . قال القرطبيّ « 2 » : « وروي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : أنه كان يقرأ : « أيحسب » ، بضم السين ، في الموضعين » . وقال الحسن : يقول : أتلفت مالا كثيرا فمن يحاسبني به ، دعني أحسبه ، ألم يعلم أن اللّه قادر على محاسبته ، وأن اللّه - عزّ وجلّ - يرى صنيعه ، ثم عدد عليه نعمه ، فقال :
أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ :
يبصر بهما ،
وَلِساناً
ينطق به ،
وَشَفَتَيْنِ :
يستر بهما ثغره « 3 » ، والمعنى : نحن فعلنا ذلك ، ونحن نقدر على أن نبعثه ، ونحصي عليه ما عمله . قوله :
وَشَفَتَيْنِ ،
الشّفة : محذوفة اللام ، والأصل : شفهة ، بدليل تصغيرها على « شفيهة » ، وجمعها على « شفاه » ونظيره : سنة في إحدى اللغتين ، وشافهته أي كلمته من غير واسطة ، ولا يجمع بالألف والتاء ، استغناء بتكسيرها عن تصحيحها . قال القرطبي « 4 » : « يقال : شفهات وشفوات ، والهاء : أقيس ، والواو أعم تشبيها بالسنوات » . قال الأزهريّ : « يقال : هذه شفة ، في الوصل ، وشفة ، بالتاء والهاء » . قوله :
وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ ،
يعني : الطريقتين : طريق الخير وطريق الشّر . روى قتادة قال : ذكر لنا أن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، كان يقول : « يا أيّها النّاس ، إنّما هما النّجدان : نجد الخير ، ونجد الشّرّ ، فلم تجعل نجد الشر أحبّ إليك من نجد الخير » « 5 » . فكأنه لما وهمت الدلائل ، جعلت كالطريق المرتفعة العالية ، لكونها واضحة للعقول ، كوضوح الطريق العالي للأبصار ، ونظيره قوله تعالى :
إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ،
بعد قوله :
فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً
[ الإنسان : 2 و 3 ] . وروي عن عكرمة ، قال : النجدان : الثّديان ، وهو قول سعيد بن المسيب والضحاك .
هامش
( 1 ) ينظر تفسير البغوي ( 4 / 488 ) . ( 2 ) ينظر الجامع لأحكام القرآن ( 20 / 43 ) . ( 3 ) ذكره القرطبي في « تفسيره » ( 20 / 43 ) . ( 4 ) ينظر المصدر السابق . ( 5 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 12 / 591 ) عن قتادة والحسن . وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 6 / 595 ) عن الحسن وزاد نسبته إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن مردويه من طرق عنه .