تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 275

مساهمون:

ص٢٧٥
ويحتمل أن يريد كل شيء خلقه اللّه تعالى ، فمن حمله على الإنسان ذكر للتسوية وجوها : أحدها : اعتدال قامته ، وحسن خلقته على ما قال تعالى :
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ
[ التين : 4 ] وأثنى على نفسه بسبب خلقه إياه بقوله تعالى :
فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ .
وثانيها : أن كل حيوان مستعد لنوع واحد من الأعمال فقط ، وأما الإنسان ، فإنه خلقه بحيث يمكنه أن يأتي بجميع الأعمال بواسطة الآلات . وثالثها : أنه - تعالى - هيأه للتكليف ، والقيام بأداء العبادات . قال بعضهم : خلق في أصلاب الآباء ، وسوّى في أرحام الأمهات ، ومن حمله على جميع الحيوانات ، فمعناه : أنه أعطى كلّ حيوان ما يحتاج إليه من آلات ، وأعضاء ، ومن حمله على جميع المخلوقات كان المراد من التسوية هو أنه - تعالى - قادر على كل الممكنات ، عالم بجميع المعلومات ، يخلق ما أراد على وفق إرادته موصوفا بالإحكام والإتقان ، مبرأ عن النقص والاضطراب . قوله :
وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى ؛
قرأ الكسائيّ وعليّ - رضي اللّه عنه « 1 » - والسلميّ : « قدر » بتخفيف الدال ، والباقون : بالتشديد . والمعنى : قدر كل شيء بمقدار معلوم . ومن خفف ، قال القفّال « 2 » : معناه : ملك فهدى ، وتأويله : أنه تعالى خلق كل شيء ، فسوى ، وملك ما خلق ، أي تصرف فيه كيف شاء وأراد هذا هو الملك ، فهداه لمنافعه ومصالحه . ومنهم من قال : إنهما لغتان بمعنى واحد ، وعليه قوله تعالى :
فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ
[ المرسلات : 23 ] بالتشديد والتخفيف ، وقد تقدم .

فصل في معنى الآية

قال مجاهد : قدّر الشقاوة والسعادة ، وهدى للرشد والضلالة ، وعنه : هدى الإنسان للسعادة والشقاوة ، وهدى الأنعام لمراعيها « 3 » . وقيل : قدّر أقواتهم وأرزاقهم ، وهداهم لمعاشهم إن كانوا أناسا ، ولمراعيهم إن كانوا وحوشا .
هامش
( 1 ) ينظر : السبعة 680 ، والحجة 6 / 398 ، وإعراب القراءات 2 / 466 ، وحجة القراءات 758 ، والقرطبي 20 / 12 . ( 2 ) ينظر : الفخر الرازي 31 / 126 . ( 3 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 12 / 543 ) ، وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 6 / 566 ) ، وزاد نسبته إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 275 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب