تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 241

مساهمون:

ص٢٤١
قالت الحكماء : من كان اليوم على حاله ، فليعلم أن تدبيره إلى سواه . وقيل لأبي بكر الوراق : ما الدليل على أنّ لهذا العالم صانعا ؟ فقال : تحويل الحالات ، وعجز القوّة ، وضعف الأركان وقهر النية ونسخ العزيمة . قوله :
فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ .
يعني : أي شيء يمنعهم من الإيمان بعد ما وضّحت لهم الآيات والدّلالات ، وهذا استفهام إنكار . وقيل : تعجب أي : اعجبوا منهم في ترك الإيمان مع هذه الآيات . وقوله تعالى :
لا يُؤْمِنُونَ
حال . قال ابن الخطيب « 1 » : فما لهم لا يؤمنون بالبعث والقيامة ، وهو استفهام إنكار ، وإنّما يحسن عند ظهور الحجّة ، وذلك أنه - تعالى - أقسم بتغييرات واقعة في الأفلاك والعناصر ، فإن الشفق حالة مخالفة لما قبلها ، وهو ضوء النهار ، ولما بعدها وهو ظلمة الليل ، وكذا قوله :
وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ
فإنه يدل على حدوث ظلمة بعد نور ، وعلى تغييرات أحوال الحيوانات من اليقظة إلى النّوم ، وكذا قوله تعالى :
وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ
فإنه يدل على حصول كمال القمر بعد نقصانه ، ثم إنه أقسم - تعالى - بهذه الأحوال المتغيرة على تغيير أحوال الخلق ، وهذا يدل قطعا على صحة القول بالبعث ، لأن القادر على تغيير الأحوال العلوية والسفلية من حال إلى حال بحسب المصالح ، لا بد وأن يكون قادرا ، ومن كان كذلك لا محالة قادر على البعث والقيامة ، فلما كانت هذه الآية كالدلالة العقلية القاطعة بصحة البعث ، لا جرم قال تعالى على سبيل الاستبعاد :
فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ .

فصل في الكلام على الآية

قال القاضي « 2 » : « لا يجوز أن يقول الحكيم لمن كان عاجزا عن الإيمان :
فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ،
وهذا يدل على كونهم قادرين ، وهذا يقتضي أن تكون الاستطاعة قبل الفعل ، وأن يكونوا موجدين لأفعالهم ، وأن لا يكون تعالى خالقا للكفر فيهم ، فهذه الآية من المحكمات التي لا احتمال فيها البتة » . وجوابه تقدم . قوله :
وَإِذا قُرِئَ
شرط ، جوابه
لا يَسْجُدُونَ ،
وهذه الجملة الشرطية في محل نصب على الحال نسقا على ما قبلها ، أي : فما لهم إذا قرىء عليهم القرآن لا يسجدون ، أي : لا يصلون قاله ابن عباس ، وعطاء ، والكلبي ، ومقاتل [ وقال أبو مسلم : المراد الخضوع والاستكانة . وقيل : المراد نفس السجود لما روى أبو هريرة - رضي اللّه عنه - أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سجد فيها « 3 » .
هامش
( 1 ) ينظر : الفخر الرازي 31 / 101 . ( 2 ) ينظر : السابق . ( 3 ) تقدم .