تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
وقال ابن الأنباريّ : الوقف على « كلّا » قبيح ، والوقف على « أمره » و « نشره » جيد ، ف « كلا » على هذا بمعنى حقّا . قوله تعالى :

ش [ سورة عبس ( 80 ) : الآيات 24 إلى 32 ]

فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ ( 24 ) أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا ( 25 ) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا ( 26 ) فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا ( 27 ) وَعِنَباً وَقَضْباً ( 28 ) وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً ( 29 ) وَحَدائِقَ غُلْباً ( 30 ) وَفاكِهَةً وَأَبًّا ( 31 ) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ ( 32 ) قوله تعالى :
فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ .
قال ابن الخطيب « 1 » : اعلم أنّ عادة اللّه - تعالى - جارية في القرآن الكريم ، كلما ذكر دلائل الأنفس يذكر عقبها دلائل الآفاق ، فبدأ - هاهنا - بما يحتاج الإنسان إليه . واعلم أنّ النّبت إنّما يحصل من القطر النازل من السماء الواقع في الأرض ، فالسماء كالذّكر ، والأرض كالأنثى ، فبيّن نزول الماء من السماء إلى الأرض بقوله :
أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ .
وقال القرطبي « 2 » : لمّا ذكر تعالى ابتداء خلق الإنسان ، ذكر ما يسّر من رزقه ، أي : فلينظر كيف خلق اللّه طعامه الذي هو قوام حياته ، وكيف هيأ له أسباب المعاش ليستعد بها للمعاد ، وهذا النظر نظر القلب بالفكر ، والتدبر . قال الحسن ومجاهد :
فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ
أي : إلى مدخله ومخرجه « 3 » . روى الضحاك بن سفيان الكلابي ، قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يا ضحّاك ، ما طعامك » ؟ قلت : يا رسول اللّه ، اللّحم واللّبن ، قال : « ثمّ يصير إلى ماذا » ؟ قلت : إلى ما قد علمته ، قال : « فإنّ اللّه - تعالى - ضرب ما يخرج من ابن آدم مثلا للدّنيا » « 4 » . وقال أبو الوليد : سألت ابن عمر - رضي اللّه عنه - عن الرجل يدخل الخلاء ، فينظر ما يخرج منه ، قال : يأتيه الملك فيقول : انظر ما بخلت به إلى ما صار « 5 » . واعلم أنّ الطعام الذي يتناوله الإنسان له حالتان : إحداهما متقدمة ، وهي التي لا بد من وجودها حتى يدخل ذلك الطعام في الوجود .
هامش
( 1 ) الفخر الرازي 31 / 56 . ( 2 ) الجامع لأحكام القرآن 19 / 143 . ( 3 ) ذكره القرطبي في « تفسيره » ( 19 / 144 ) ، ومثله عن ابن الزبير ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 6 / 521 ) ، وعزاه إلى ابن المنذر . ( 4 ) أخرجه أحمد ( 3 / 452 ) ، والطبراني في « الكبير » ( 8 / 359 ) ، من حديث الضحاك بن سفيان الكلابي . وذكره الهيثمي في « مجمع الزوائد » ( 10 / 291 ) ، وقال : رواه أحمد والطبراني ورجال الطبراني رجال الصحيح غير علي بن زيد بن جدعان وقد وثق . ( 5 ) ذكره القرطبي في « تفسيره » ( 19 / 144 ) ، وروي بمعناه عن أبي قلابة ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 6 / 521 ) ، وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر .