قوله تعالى :
[ سورة المزمل ( 73 ) : الآيات 10 إلى 14 ]
وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً ( 10 ) وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً ( 11 ) إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالاً وَجَحِيماً ( 12 ) وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ وَعَذاباً أَلِيماً ( 13 ) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلاً ( 14 )
قوله :
وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ
، أي : من الأذى ، والسب ، والاستهزاء ، ولا تجزع من قولهم ، ولا تمتنع من دعائهم ، وفوض الأمر إليّ ، فإني إذا كنت وكيلا لك ، أقوم بإصلاح أمرك أحسن من قيامك بأمور نفسك
وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا
، الهجر : ترك المخالطة ، أي : لا تتعرض لهم ، ولا تشتغل بمكافأتهم فإن ذلك ترك للدعاء إلى اللّه تعالى ، وكان هذا قبل الأمر بالقتال ، ثم أمر بعد ذلك بقتالهم .
قال قتادة وغيره : نسختها آية القتال « 1 » .
وقال أبو الدرداء : إنا لنكشر في وجوه [ أقوام ] ونضحك إليهم وإن قلوبنا لتلعنهم « 2 » .
قال ابن الخطيب « 3 » : وقيل وهو الأصح إنّها محكمة .
قوله :
وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ
. يجوز نصب « المكذّبين » على المعية ، وهو الظاهر ، ويجوز على النسق وهو أوفق للصناعة .
والمعنى : ارض بي لعقابهم ، نزلت في صناديد قريش ورؤساء مكة من المستهزئين .
وقال مقاتل : نزلت في المطعمين يوم بدر ، وهم عشرة « 4 » تقدم ذكرهم في الأنفال .
وقال يحيى بن سلام : إنهم بنو المغيرة .
وقال سعيد بن جبير : أخبرت أنهم اثنا عشرة رجلا « 5 »
« أُولِي النَّعْمَةِ »
أي : أولي الغنى ، والترفه واللذة في الدنيا
وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا
يعني إلى مدة آجالهم ، قالت عائشة - رضي اللّه عنها - : لما نزلت هذه الآية لم يكن إلا يسيرا حتى وقعت وقعة بدر « 6 » .
وقيل :
« وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا »
مدة الدنيا .
قوله :
« أُولِي النَّعْمَةِ »
، نعت للمكذبين . و « النعمة » - بالفتح - : التنعم ، وبالكسر :
الإنعام ، وبالضم : المسرّة ، يقال : نعمة ونعمة عين .
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 12 / 287 ) عن قتادة .
( 2 ) ذكره القرطبي في « تفسيره » ( 19 / 31 ) .
( 3 ) ينظر : الفخر الرازي 30 / 159 .
( 4 ) ينظر : القرطبي ( 19 / 31 ) .
( 5 ) ينظر : المصدر السابق .
( 6 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 12 / 288 ) وأبو يعلى ( 8 / 56 ) رقم ( 4578 ) .
وذكره الهيثمي في « مجمع الزوائد » ( 7 / 130 ) وقال : رواه أبو يعلى وفيه جعفر بن مهران وعبد اللّه بن محمد بن عقيل وفيهما ضعف وقد وثقا .