تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 294

مساهمون:

ص٢٩٤
قال ابن عباس : هذا مثل لأهل مكة حين خرجوا إلى بدر ، وحلفوا ليقتلنّ محمدا ، وأصحابه ، وليرجعوا إلى أهل مكة ، حتى يطوفوا بالبيت ، ويشربوا الخمر ، وتضرب القيان على رؤوسهم ، فأخلف اللّه ظنهم ، وقتلوا وأسروا وانهزموا كأهل هذه الجنة لما خرجوا عازمين على الصرم ، فخابوا « 1 » .

فصل في العبرة من هذه الآية بضرب المثل

قال ابن الخطيب « 2 » : قوله تعالى
أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
، والمعنى : لأجل أن أعطاه اللّه المال والبنين كفر باللّه ، كلا ، بل اللّه تعالى إنما أعطاه ذلك للابتلاء ، فإذ صرفه إلى الكفر دمر اللّه عليه ، بدليل أن أصحاب الجنة لما أتوا بهذه المعصية اليسيرة دمر اللّه جنتهم ، فكيف حال من عاند الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وأصرّ على الكفر والمعصية .

فصل في بيان هل كان الحق واجبا عليهم أم لا ؟

قيل : إن الحق الذي منعه أهل الجنّة المساكين كان واجبا عليهم ، ويحتمل أنه كان تطوعا ، والأول أظهر . وقيل : السورة مكية ، فبعد حمل الآية على ما أصاب أهل مكة من القحط ، وعلى قتال بدر . قوله تعالى :

[ سورة القلم ( 68 ) : الآيات 34 إلى 43 ]

إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ ( 34 ) أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ( 35 ) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ( 36 ) أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ ( 37 ) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ ( 38 ) أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ ( 39 ) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ ( 40 ) أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ ( 41 ) يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ ( 42 ) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ ( 43 ) قوله :
إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ
، أي : جنات ليس فيها إلا النعيم الخالص لا يشوبه ما ينغصه كما يشوب جنات الدنيا . قال مقاتل : لما نزلت هذه الآية ، قال كفّار مكة للمسلمين : إن اللّه تعالى فضّلنا عليكم في الدنيا فلا بد وأن يفضّلنا عليكم في الآخرة ، فإن لم يحصل التفضيل ، فلا أقل من المساواة . فأجاب اللّه عن هذا الكلام بقوله :
أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ
، أي : إن التسوية بين المطيع والعاصي غير جائزة ثم وبّخهم فقال :
« ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ »
هذا الحكم الأعوج كأن أمر الجزاء مفوض إليكم حتى تحكموا فيه « 3 » .
هامش
( 1 ) ينظر المصدر السابق . ( 2 ) ينظر : الفخر الرازي ( 30 / 80 ) . ( 3 ) ذكره القرطبي 18 / 160 عن ابن عباس .