تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
الشرك ، فكذلك معنى قوله :
مَا اسْتَطَعْتُمْ
في الهجرة من دار الشّرك إلى دار الإسلام أن تتركوها بفتنة أموالكم وأولادكم . ويدل على صحة هذا أن قوله تعالى :
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ
عقيب قوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ
، ولا خلاف بين علماء التأويل أن هذه الآيات نزلت بسبب قوم كانوا تأخروا عن الهجرة من دار الشرك إلى دار الإسلام بتثبيط أولادهم إياهم عن ذلك كما تقدم ، وهذا اختيار الطبري « 1 » . وقال ابن جبير : قوله :
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ
فيما تطوع به من نافلة أو صدقة ، فإنه لما نزل قوله تعالى :
اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ
[ آل عمران : 102 ] اشتدت على القوم فقاموا حتى ورمت عراقيبهم وتقرّحت جباههم ، فأنزل اللّه تخفيفا عنهم :
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ
فنسخت الأولى . قال الماوردي « 2 » : ويحتمل أن يثبت هذا النّقل ، لأن المكره على المعصية غير مؤاخذ بها ، لأنه لا يستطيع اتقاءها . قوله :
وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا
. أي : اسمعوا ما توعظون به ، وأطيعوا ما تؤمرون به ، وتنهون عنه . وقال مقاتل : « اسمعوا » أي : أصغوا إلى ما ينزل عليكم من كتاب اللّه ، وهو الأصل في السّماع
« وَأَطِيعُوا »
الرسول فيما يأمركم أو ينهاكم . وقيل : معنى
« وَاسْمَعُوا »
أي : اقبلوا ما تسمعون وعبر عنه بالسماع ؛ لأنه فائدته . قوله :
وَأَنْفِقُوا
. قال ابن عباس : هي الزكاة « 3 » . وقيل : هي النفقة في النفل . وقال الضحاك : هي النفقة في الجهاد « 4 » . وقال الحسن : هي نفقة الرجل لنفسه « 5 » . قال ابن العربي « 6 » : وإنما أوقع قائل هذا ، قوله : « لأنفسكم » وخفي عليه قوله : إن نفقة الفرض والنّفل في الصّدقة على نفسه ، قال اللّه تعالى :
إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها
[ الإسراء : 7 ] . فكل ما يفعله الرجل من خير فإنما هو لنفسه ، والصحيح أنها عامة .
هامش
( 1 ) ينظر : جامع البيان 12 / 117 . ( 2 ) ينظر : النكت والعيون 6 / 26 . ( 3 ) ذكره القرطبي في « تفسيره » ( 18 / 96 ) . ( 4 ) ينظر : المصدر السابق . ( 5 ) ينظر : المصدر السابق . ( 6 ) ينظر : أحكام القرآن 4 / 1822 .